عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي يتهما الناس به. [1] وتمضي الآيات في عرضها لما كان من حمل مريم بالمسيح - عليه السلام -، وولادته وإكرام الله تعالى بأنواع الكرامات، ثم تسوق لنا اتهام قومها لها لما رآها قومها تحمله ولم يكن لها زوج.
قال تعالى: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا(28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّاوَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} [2]
إن القول ببنوة بعض البشر مقالة قديمة تسربت إلى عقائد اليهود من عقائد الوثنيين، وقولهم عزير ابن الله أخذوه عن هذه العقائد الوثنية.
كان بنو إسرائيل في عيسى - عليه السلام - ثلاث فرق:
الفرقة الأولى: آمنت به عبدا لله ورسولا منه إليهم، أنزل عليه الإنجيل مصدقا للتوراة ومصححا لتحريفات اليهود عقيدة وسلوكا، وعلى رأس هؤلاء المؤمنين الحواريون، وهذه الفرقة اعتبرت ما أتى به عيسى - عليه السلام - من معجزات دلالة صدق وتأييدا من الله له في دعواه.
الفرقة الثانية: كفرت به وكذبت في دعواه، واعتبرت معجزاته من قبيل السحر والدجل والشعوذة.
الفرقة الثالثة: ألحدت فيه وفي آياته، وادعت ألوهيته، فهو إله أو ابن إله أو ثالث ثلاثة، واتخذت من معجزاته ومن ميلاده دليلا على دعواه.
وضمت كل فرقة من هذه الفرق تحت لوائها أتباع كثر [3] .
ويصور القرآن الكريم مشهدا من مشاهد الآخرة يعتذر المسيح - عليه السلام - عن نفسه، أمام كل التهم الباطلة التي ألصقها به من جاء من بعده، بادعائهم بأنه إله من دون الله - جل جلاله - قال الله تعالى: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ
(1) -تفسير ابن كثير ج 2 ص 116.
(2) -سورة مريم الآيات 27 - 33.
(3) - الأسفار المقدسة لعبد الواحد وافي ص 93 بتصرف.