قال الله العظيم: ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون). [1]
للمفسرين في قوله تعالى: (ورهبانية) قولان: [2]
أحدهما: أنها منصوبة يعني ابتدعوها .. إما بفعل مضمر يفسره ما بعده، أو يقال هذا الفعل يعمل في المضمر والمظهر. نظيره في ذلك قوله تعالى:
{يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما} [3] . وعلى هذا القول فلا تكون الرهبانية معطوفة على الرحمة.
أما القول الثاني: إنها معطوفة عليها، فيكون الله قد جعل في قلوبهم الرأفة والرحمة والرهبانية المبتدعة. ويكون هذا جعلا خلقيا كونيا. والجعل الكوني يتناول الخير والشر، كقوله تعالى:
{وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار.} [4]
وعلى هذا القول فلا مدح للرهبانية، لأنها في القلوب. فثبت أنه على التقديرين ليس في القرآن مدح. ثم قال: (إلا ابتغاء رضوان الله) أي لم يكتب عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، وابتغاء رضوان الله بفعل ما أمر به لا بما يبتدع. وهذا يسمى استثناء منقطعا كما في قوله تعالى: {ما لهم به من علم إلا اتباع الظن} [5] .
وذكروا أن الرهبانية ابتداع وليست اتباعا، وأنهم مخالفون بذلك شريعة الأنبياء.
-ورهبانية ابتدعوها
(1) - سورة الحديد جزء من الآية 17.
(2) - مفاتيح الغيب لفخر تالدين الرازي المجلد 15 ج 29 ص 246 وم بعدها و الكشاف للزمخشري ج 4 ص 78 والجامع لأحكام القرىن للقرطبي ج 17 ص 262.
(3) - سورة الإنسان الآية 31.
(4) - سورة القصص جزء من الآية 41.
(5) - سورة النساء جزء من الآية 157.