عيسى - عليه السلام - أيده الله تعالى بمعجزات وآيات خارقة مثل: إحياء الموتى بإذنه، إبراء الأكمه والأبرص، والإخبار بالغيب، وكلها آيات يساند بعضها بعضا وتتجه إلى غاية واحدة وهي الدالة على صدق نبوته ودعواه في رسالته.
فكانت معجزاته قهرا للفكر المادي الذي طغى في ذلك الوقت، ودعوة للرجوع إلى عالم الروح وتربية لهذه الروح حتى يقوى لديها الإيمان بالبعث والنشور، وبالتالي السعي إليها بعمل الصالحات والبعد عن الفساد والسيئات [1] . وقد كانت هذه المعجزات منفذا آخر لادعاء ألوهيته.
اختلف أهل الكتاب في عيسى - عليه السلام - بعد بيان أمره ووضوح حاله، وأنه عبد الله ورسوله وكلمة ألقاها الله تعالى إلى مريم وروح منه. فذهب جمهور اليهود- لعنة الله تعالى عليهم- إلى أنه ابن زنا، وقالوا عن كلامه في المهد إنه سحر. وقالت طائفة أخرى إنما تكلم الله، وقال آخرون: إنه ابن الله، وقال آخرون: إنه ثالث ثلاثة، وقال غير هؤلاء هو عبد الله ورسوله، وهذا هو القول الحق الذي أرشد الله إليه المؤمنين. [2] قال تعالى: {فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيم} [3] .
إن نسب عيسى - عليه السلام - السلام يتصل بإبراهيم - عليه السلام - من جهة أمه مريم البتول إبنة عمران التي اشتهرت بين قومها بالطهر والعفاف والإيمان والتقوى ونبل النسب، وقد راعها كأي فتاة طاهرة عفيفة بشارة الملك لها بابن لها من غير أب، حتى تمنت الموت لولا ثقتها أن الله تعلى لن يضيعها. وقد ذكر القرآن الكريم ما تعرضت له من آلام بسبب الحمل وابتعادها عن الناس حتى تمنت الموت.
قال تعالى: {فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} [4] .أي ياليتها ماتت قبل الحمل، وكانت شيئا تافها شأنه أن ينسى ولا يعتد به، منسيا لا يخطر على بال أحد. وإنما قالت ذلك لما
(1) -المسيحية أحمد شلبي ص 40.
(2) - تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 2 ص 121.
(3) -سورة مريم الآية 37.
(4) -سورة مريم الآية 21 - 22.