الفرد.
وإنما كان النفير مقصورًا على النهوض الجماعي لأنه لا يستعمل إلاّ في معنى النهوض لتحقيق مهمّات الأمور وجلائلها، وهذه لا يقدر الفرد على تحقيقها في حال الانفراد، بل تستلزم العمل الجماعي، فاقترن إذن معنى النفير بالجماعة، واقتصر عليها. والعمل الحضاري هو من جلائل الأمور إن لم يكن أجلّها في حياة المجتمعات، وهو لذلك لا يصنعه الأفراد وإنّما تصنعه الجماعات والأمم، فالنفير فيه إنّما هو نفير جماعي، ولا يتمّ تحضّر إلاّ إذا نفرت الأمّة جمعاء لإنجازه في معنى من الشراكة الجماعية النفسية والعملية، وهذه الشراكة الجماعية في النهوض الحضاري هي التي نعنيها بالنفير الجماعي في هذا السّياق، ونعتبرها عنصرًا أساسيًا في معنى النّفير الحضاري كما نشرحه في هذا المقام.
والشراكة الجماعية في النهوض الحضاري باعتبارها عنصرًا أساسيًا في النفير إنما تعني أن يكون القيام للإنجاز الحضاري قيامًا جماعيًا ينخرط فيه الأفراد في رباط يشملهم جميعًا، ويستجيبون هم له استجابة نفسية وعملية، بحيث تكون الجماعية هي الطابع الذي يطبع الشعور الداخلي في تحفّزه للإنجاز، كما يطبع السلوك العملي في المباشرة الفعلية لذلك الإنجاز، وحينما تُفتَقَد هذه الشراكة الجماعية الناهضة في أمّة من الأمم على المستوى الشعوري النفسي أو على مستوى العمل الفعلي فإنّ الحضارة فيها لا تقوم، وإذا كانت قائمة فإنّها تؤول إلى الأفول مهما يكن معنى النفير متحقّقًا في الذّوات المنفرة دون تحقّق للمعنى الجمعي في ذلك النفير [1] .
نبه القرآن الكريم في الكثير من آياته على أن الأمم تقوم أو تسقط بناء على سنن ثابتة لا تتغير أو تتبدل، ووفق عوامل لا تُخرق أو تختزل، ومن أهم هذه العوامل ما يلي:
(1) ا عوامل الشهود الحضاري لعبد المجيد النجار
(2) عوامل النهوض الحضاري (مجلة المجتمع عدد 1537) بتصرف