في سبيله، بل توجّه في سبيله كلّ مظاهر الحياة ومناشطها، سواء الحياة الفردية والجماعية؛ ولذلك فإنّ هذا اللّفظ يستعمل أكثر ما يستعمل في النهوض إلى الحرب، باعتبار أنّ الحرب بالنسبة لمن ينهض إليها تكون الأمر الأهمّ في حياته فيوجّه إليها كلّ القوى والقدرات الفردية والجماعية. وقد سمّي يوم القفول من منى بيوم النّفر لأن الحجيج في ذلك اليوم يكون همّهم الأكبر القفول، فتراهم يهبّون جماعيًا مسخّرين كلّ جهودهم من أجل ذلك القفول.
وحينما يكون النّفير حضاريًا، فذلك معناه أن تعبّأ الطاقات والقدرات التي تتوفر عليها النافرة لتوجّه في سبيل الإنجاز الحضاري ماديًا ومعنويًا، بحيث لا يكون همّ في الكيان الفردي والكيان الجماعي إلا همّ البناء والتّعمير، يتوجّه الجميع لتحقيقه، وينخرطون في ملحمة جماعية لإنجازه، فهو إذن يشبه أن يكون قوة اندفاع في الأمّة تحشد بها قدراتها في ذات الفرد وفي الهيئة الجماعية لتنطلق بها في البناء لا يلويها عنه شيء, ولا يشغلها شاغل يثنيها عن انطلاقها في طريق البناء.
ويمكن أن يفهم هذا المعنى في نطاق نظرية تويني في التحدّي الذي يواجه أمّة من الأممـ فيكون ذلك مثيرًا لها لتستجيب دفاعًا عن نفسها، وتعبّئ قدراتها لمواجهة التحدّي تشبه إلى حدٍّ كبير ما نعبّر عنه في هذا المقام بالنّفير الحضاري.
أ _ النفير الفردي: ونقصد به ذلك النفير الذي يتحقّق في الذات الدّاخلية للفرد، متمثّلًا في تحشّد قوى الفرد وقدراته المتنوعة تحشّدًا تنزع به متضافرة إلى العمل التعميري، بحيث يكون الفرد طاقة فاعلة في قوّة اندفاع هي محصّلة التعبئة لقدراته كلّها.
أولًا: النفير النفسي:
إنّ العنصر النفسي عنصر أساسي في النفير الفردي، بل منه يبدأ ذلك النفير، والمقصود به ما يحدث في النفس من نزوع إرادي لتحقيق الهدف الأعلى للحياة، بحيث يستبدّ به ذلك النّزوع، ويملك عليه مجامع نفسه، فإذا هو يهجر المشاغل التي تلهيه عن الهدف، ويقبل بكلّيته شعورًا ونيّة وعزمًا على تحقيق الغاية.
ويقابل هذه الحالة من النفير النفسي حالات أخرى يعيش فيها الإنسان وضعًا من الرّكود تكون فيه نفسه أشبه بالبحيرة السّاكنة، فهي لا تجيش بغاية تصبو إليها وتتّجه وجهتها، بل هي تعيش لحظتها، فيكون همّها في تحقيق مطالب يومها من إشباع للغرائز، فهي تفتقد إذن لقوّة الاندفاع التي تغادر بها الزّمن الرّاهن إلى بعيد الغايات.