المنفعة وغرائز الشر الكامنة في النفس الإنسانية. وحين تتجرد الأخلاق من الإيمان تفقد جذورها الأصلية في النفس، وتفقد كل تأثير في الحياة العامة.
إنّ النفير الحضاري هو عنصر أساسي من العناصر العاملة في نشوء الحضارات، فالأمم لا تصنع الحضارة إلا بهبة جماعية تحشد فيها قوى الفرد في نطاقه الدّاخلي, ثم تحشد قوى الأفراد حشدًا جماعيًا لتحقيق هدف معين تحمله الفكرة التي تحدّد غاية الحياة. والتاريخ يبين أن الحضارات على اختلافها لم تنشأ ألا بهذا الداعي من النفير الجماعي, وأن انحلال هذا النفير ووهنه هو سبب أساسي في انحلال الحضارات وأيلولتها إلى التلاشي.
فالحضارة الإسلامية إنما نشأت من التعبئة الجماعية التي عبأت بها عقيدة التوحيد جموعًا من الناس كانوا شتاتًا في الجزيرة العربية وفي خارجها, فإذا هم ينفرون بالعقيدة الجديدة في أمّة موحدة ليصنعوا حضارة مشهودة, ولولا ذلك النّفير الجماعي الذي أحدثه فيهم التوحيد ما نشأت تلك الحضارة؛ فقد بقي البدو في الجزيرة العربية زمانًا طويلًا يعوقهم التشتت عن الإنشاء الحضاري؛ إذ لم يكن يحشد قوى الفرد فيهم غاية عليا للحياة، ولم يكن يجع الأفراد هدف مشترك يعبّئ فيهم الإرادة الجماعية لينطلقوا في نفير جماعي لإنشاء التحضّر. فقد كان واضحًا إذن أنّ الاندفاع الجمعي كان عاملًا أساسيًا في إنشاء الحضارة الإسلامية.
وحينما اكتُشِفَ العالم الجديد، وهاجرت إليه جموع من الأوروبيين، فإنّ هذه الجموع التقت هناك على فكرة جماعة تتمثّل في إقامة الحياة الحرّة في الأرض البكر البالغة الثّراء، وقد كانوا في أغلبهم يهاجرون بسبب من الأضطهاد المتعدّد الألوان في أوروبا التي أنهكت أيضًا وأوشكت أن تنضب مواردها فتضيق بأهلها. وهناك في الأرض الجديدة التقت الإرادة على هدف جامع هو إقامة مجتمع الحرّية والاستمتاع بالرّفاه المادّي باستثمار الموارد البكر في تلك الأرض, فحشّد هذا الهدف الجموع المهاجرة والأجيال التالية لها، وعبّأها في نفير جماعي صنعت به الحضارة المشهودة الآن هناك، وهي وإن تكن جذورها أوروبية، إلاّ أنّ ما بلغته من القوّة الذي فاقت به الأصل في تعالمها الجديد ما كان ليحدث لولا النفير الجماعي الذي هبّ به المهاجرون للإنشاء الحضاري.
ولمّا انهزمت ألمانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية، ودمّرت معالم الحضارة فيها دمارًا شديدًا، كان في ذلك جرح بالغ لكبرياء الشعبين الألماني والياباني، فتكوّن في النفوس معنى