فيما يشبه التلقائية، فإذا المسلم لا يُرى في حال النفير هذه إلا وهو دائب في تحويل ما يستقرّ عليه العقل من رأي إلى إنجاز في الواقع، في كل مجال من مجالات الحياة، وفي أي موقع يكون فيه. ولا يكون هذا النفير العملي مستجمعًا لمعناه الذي نريد حتّى يتوفّر على العناصر الأساسية التالية:
العنصر الأوّل: هو التلقائية، وهي أن يكون الإنجاز العملي للآراء صادرًا من المسلم صدورًا تلقائيًا بما يقتضيه ذلك من السّرعة في الإنجاز، ومن الإصرار عليه حتى يكون هذا الإنجاز هو الحالة الطبيعية التي تؤول إليها الآراء، فإذا ما انحبست عنها كان ذلك عارضًا مخالفًا للمجرى الطبيعي فيسّبب القلق والاضطراب حتى يؤول الأمر إلى مجراه الإنجازي.
العنصر الثاني: هو الفعالية، ومعناها أن يكون العمل الذي ينجز عملًا فاعلًا، أي محقّقًا للغرض الذي من أجله استحدثت الفكرة التي تطلبه، وذلك بما يتمّ عليه من إخلاص ودقة وإتقان. وإننا لنجد كثيرًا من الأفراد تنمو عندهم ملكة العمل، فتراهم في دأب إنجازي، ولكنّ ممارستهم لأعمالهم لا يكون فيها من التروّي والتبصّر والإتقان ما يجعل تلك الأعمال فاعلة، أي مؤدّية لأغراضها، بل تكون على شيء من الاضطراب والتشويش والخلل بحيث لا تكون لها ثمرة تذكر.
والعنصر الثالث: هو الغائية، ومعناها أن يكون العمل الذي ينجز قائمًا في إنجازه أثناء مختلف مراحله على الغاية التي من أجلها ينجز، والغاية في قضية الحال هي أن يكون العمل محقّقًا للخلافة في الأرض والتعمير فيها باعتبار أنّ ذلك هو المعنى الإسلامي للتحضّر، وإذن فإنّ المسلم في حال النّفير العملي يقتضي الأمر منه أن يكون عمله الإنجازي في كلّ شؤونه مُكيَّفًا بحيث يحقّق غاية التحضّر بالمفهوم الخلافي.
ب _ النفير الجمعي: عنصر الجماعة عنصر أساسي في معنى النفير، حتى إنّه لا يطلق النفير إلاّ في حال نفير الجماعة، وذلك ما جاء في القرآن الكريم، فلم تستعمل فيه مادة (نفر) إلاّ في النهوض الجماعي للقيام بأمر هامّ مثل الحرب أو التفقّه في الدّين. وإذا أحسّ الفرد في نفسه بنزوع شامل تنفر فيه مواهبه وقدراته للعمل، ثمّ نفّد ذلك العمل بنفس ذلك النفير الفردي، ولكن في غير إحساس منه بروح جماعية في النزوع والتنفيذ تلتقي فيها مشاعره مع مشاعرهم، وجهوده مع جهودهم، فإنّ نهوضه الفردي ذلك لا يسمّى نفيرًا، إذ هو خليّ عن المشاركة الجماعية، ومن ثمّ فإنّ النفير مقصور على نهوض الجماعة دون نهوض