"لقد أوحى الله إلى نبيه - عليه السلام - المرسل انطلاقا وهو في المهد. وأوصاه بالصلاة والزكاة، وبارك فيه أينما كان وحيثما كان ... وأوحى إليه تبليغا وهو في الثلاثين من عمره. بينما أوحى إلى معظم الأنبياء وهم في سن الأربعين، ويقال إن دعوته استمرت ثلاث سنوات وثلاثة أشهر وثلاثة أيام" [1] .
فهذه الآيات تبين أنه تكلم في المهد ليكون آية على طهر أمه وطردا للظنون والشكوك التي أثيرت حولها وبما بادرها به قومها من اتهام، والمثير للدهشة أن الأناجيل الأربعة ورسائل الرسل كلها لم تشر إلى تكلم المسيح - عليه السلام - في المهد أي إشارة، مع أنه حدث عظيم وهو أمر في غاية الغرابة. [2]
قال ابن كثير في تفسير هذه الآيات: إثبات من عيسى - عليه السلام - لعبوديته لله تعالى وأنه مخلوق من خلق الله يحيا ويموت ويبعث كسائر العباد، لكن له السلامة في هذه الأحوال التي هي أشق ما يكون على العباد. [3]
ومع شمول هذه الآيات لبيان حقيقة المسيح - عليه السلام -، فإن القرآن الكريم يشير إلى أنه قص ذلك ليعلم من يختلف في شخص المسيح - عليه السلام - أن هذا هو المسيح وهذه حقيقته البعيدة عن دعوى بنوته لله - جل جلاله -.
لقد جاء المسيح - عليه السلام - رسول الله وكلمته حاملا معه رسالة الإسلام والمحبة، رسالة الإخاء والمساواة بين جميع الناس، ودعا إلى عبادة الواحد الأحد، والإيمان به، بأنه الإله الحق وحده لاشريك له ... هكذا بدأت أبعاد دعوته العقدية والأخلاقية - عليه السلام - على أساس أنه لاتوسط بين الخالق والمخلوق ... فالأحبار والرهبان ليس لهم الوساطة بين الله وعباده، وكل إنسان يتصل بالله في عبادته بنفسه مباشرة.
ومن الأبعاد أيضا التي قامت على أساسها دعوته - عليه السلام - الزهد في الحياة الدنيا. والإيمان باليوم الآخر الذي هو غاية الحياة.
(1) - الملل والنحل للشهرستاني ص 312 ..
(2) -هذاية الحيارى في الرد على النصارى لابن القيم ص 303 وما بعدها بتصرف.
(3) - تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 2 ص 120.