فجعل نفسه هدى من وجه آخر وموعظة للمتقين، ولعله ما انفرد به من المسائل الروحية والمواعظ الأدبية. [1]
عيسى - عليه السلام - وإن كان رسولا له مكانة بارزة بين الأنبياء والرسل، لا يعدو أن يكون بشرا كسائر البشر وعبد الله كسائر عباده، لايملك لنفسه ولا لغيره من الله شيئا، وهذه المعاني تعتبر خطا رئيسيا في كل الآيات التي تكلمت عن سيرته والتي تؤكد تلك النسبة البشرية لعيسى - عليه السلام - حين تدعوه في معظم المناسبات التي تحدثت عنه فيها بأنه"ابن مريم".
القرآن الكريم يركز على الخصائص البشرية في شخصية عيسى - عليه السلام - منذ ولادته إلى أن رفعه الله تعلى إليه ... وهذا كله يتنافى مع أية طبيعة إلهية.
ركز القرآن الكريم على قضية أساسية تنفي وتلغي مسألة الألوهية على عيسى - عليه السلام - وهي قوله تعالى: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمْ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [2] .
عيسى - عليه السلام - يتكلم في مهده ويعلن عبوديته لله، إذ أن أول شيء نطق به - عليه السلام - إقراره بالعبودية لله الواحد الأحد، وإعلان هذا الإقرار، وبهذا نزه جناب ربه وبرأه عن الولد، كما برأ السيدة مريم من الظنون الباطلة بها.
كما يبين القرآن الكريم عبوديته - عليه السلام - لله - جل جلاله - في أكثر من موضع، وكيف أنه دائم الدعوة إلى عبادة الله سبحانه وتعلى، وإلى توحيده وتنزيهه عن كل نقص أو شريك، قال تعالى: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا وَالسَّلَامُ عَلَي َّيَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ} [3] .
(1) - تفسير المنار ج 6 ص 401.
(2) - سورة المائدة الآية 75.
(3) - سورة مريم الآيات 29 - 33.