والواقع أن تخصيص مصطلح الحضارة للدلالة المكانية واقتصارعلى أهل المدن والحواضر فيه افتئات كبير على أهل البادية، فالحضارة صفة فطرية لا صلة لها بالمدينة أو البادية [1]
كما عرف ول ديورانت الحضارة بأنها"نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي وإنما تتألف الحضارة من عناصر أربعة: الموارد الاقتصادية والنظم السياسية والتقاليد الخلقية ومتابعة العلوم والفنون وهي تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق لأنه إذا ما أمِنَ الإنسان من الخوف تحررت في نفسه دوافع التطلع وعوامل الإبداع والإنشاء وبعدئذ لا تنفك الحوافز الطبيعية تستنهضه للمضي في طريقه إلى فهم الحياة وإزهارها" [2] .
يفرق بعض الباحثين بين الثقافة وبين الحضارة"فالثقافة، تختص بالتعبير عن الدراسات الأدبية والنظرية والعقلية والفلسفية وما يتعلق بالأمور المعنوية والدينية والروحية [3] ."
وأما الحضارة: فتختص بالتعبير عن الوسائل والمخترعات والابتكارات الصناعية والمادية والتجارب الكونية" [4] "
يرحب الإسلام السمح بالحوار والتفاهم والتعايش مع الحضارات دون التنازل عن الحقوق والثوابت. ولا بد من نشر هذا الفقه الحضاري كي نتعارف ونتعاون مع الشعوب لقوله تعالى"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [5] "
استلهامًا لروح الحضارة الإسلامية المبنيّة على قيم الحوار والتسامح والأخوة الإنسانية، وتأكيدًا للرؤية الإسلامية الصحيحة لمقاصد التفاعل والتعايش والحوار والتحالف بين مختلف الأديان والحضارات.
والحضارة التي ترسمها لنا رسالات السماء وخصوصًا الإسلام في هذه الدنيا هي بمثابة المدرسة التي تصنع الإنسان وتصوغه صياغة إسلامية حضارية شاملة
(1) -محمود، العبدالغني، سهيل، 1997 م، ص 9 - 10
(2) -قصة الحضارة لوول ديورانت ص 1
(3) -محمد مؤنس, ص 390 (, 1998 م, ص 390)
(4) - محمد مؤنس ص 10
(5) - سورة الحجرات الآية 13.