فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 157

وأوّل من توسّع في الكلام عن الحضارة والتفريق بينها وبين البداوة هو"عبد الرحمن بن خلدون" (ت 808 هـ) ، الّذي يرى أنّ الناس حين تخطَّوا في كسبهم للمعاش ما هو ضروري «وحصل لهم ما فوق الحاجة من الغنى والرفه، دعاهم ذلك إلى السكون والدعة وتعاونوا في الزائد على الضرورة واستكثروا من الأقوات والملابس والتأنُّق فيها وتوسعة البيوت واختطاط المدن والأمصار للتحضُّر. ثمّ تزيد حالة الرفه والدعة فتجيء عوائد الترف البالغة مبالغها في التأنّق في علاج القوت واستجادة المطابخ وانتقاء الملابس الفاخرة في أنواعها من الحرير والديباج وغير ذلك ومعالاة البيوت والصروح وإحكام وضعها في تنجيدها والانتهاء في الصنائع في الخروج من القوّة إلى الفعل إلى غايتها فيتّخذون القصور والمنازل ويُجرون فيها المياه ويعالون في صرحها ويبالغون في تنجيدها ويختلفون من استجادة ما يتّخذونه لمعاشهم من ملبوس أو فراش أو آنية أو ماعون. وهؤلاء هم الحضر، ومعناه الحاضرون أهل الأمصار والبلدان [1]

والمتأمل في كلام"ابن خلدون"يجد أنّ كلمة"الحضارة"عنده لم تخرج عن معناها اللغويّ. وكلّ ما كان منه أن توسّع قليلًا في شرح حال أهل الحضر أو المدن والتمييز بينهم وبين البدو أهل البادية. لذلك كان من الخطأ إدراج ابن خلدون في عداد أهل الاصطلاح المحدَث"للحضارة".

ثورة ابن خلدون الفكرية تكمن، في أنه حرر الفكر التاريخي من هيمنة الفكر الديني، بأن اكتشف في واقعات التاريخ عقلها المادي فأحل ضرورة العمران محل الله - أو ما يشبهه - في تفسير الظاهرات جميعا، فاستبدل التأويل بالتفسير، فكان التفسير بالضرورة ماديا وكان علميا من حيث هو مادي دون أن يعني هذا رفضا للدين او الشرع ومبادئه. فاشرع شيء، والتاريخ أو العمران شيء آخر. [2]

(1) -العلاّمة عبد الرحمن بن محمّد بن خلدون - المقدمّة - دار الجيل، بيروت - دون تاريخ - ص 132

(2) - الحضارة الفكرية: كتاب في علمية الفكر الخلدوني تأليف مهدي عامل دار الفارابي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت