والذي ذهب إليه الدكتور يوسف القرضاوي هو الفهمُ الصحيح لمعنى الحضارة ومدلولها؛ فلكل مجتمع حضارته التي هي جوهر خصوصياته ومميزاته، وخلاصة مقوماته ومكوّناته. فالحضارة هي الهوية، وهذا المفهوم يتعارض مع ما يعرف في الدراسات الغربية (بوحدة الحضارة) ، ويقصدون بها الحضارة الغربية، وهي النظرية التي ينتقدها المؤرخ أرنولد توينبي، إذ يقول: >وما نظرية وحدة الحضارة هذه، إلاَّ رأي خاطئ، تردَّى فيه المؤرخون الغربيون المحدثون تحت تأثير محيطهم الاجتماعي، وأوحى به مظهر الحضارة الغربية الخدّاع.
إن الحضارة بهذا المعنى الواسع العميق، هي تحدٍّ دائمٌ، لعوادي الأيام، ولمشكلات الحياة، ولعناصر التلاشي والفساد، ولعوامل النقص والعجز. فما من حضارة، إلا وهي تتحدَّى على الدوام من أجل أن تبقى، فإذا لم تتحدَّ، تراجعت، وتضاءلت، وانهارت، مثلما انهارت حضارات قامت وسادت ثم بادت.
والحضارة الإسلامية هي نتاجٌ لتفاعل ثقافات الشعوب التي دخلت في الإسلام، سواء إيمانًا وتصديقًا واعتقادًا، أو انتماءً وولاءً وانتسابًا، وهي خلاصةٌ لتلاقح هذه الثقافات والحضارات التي كانت قائمةً في المناطق التي وصلت إليها الفتوحات الإسلامية، ولانصهارها في بوتقة المبادئ والقيم والمُثُل التي جاء بها الإسلام هدايةً للناس كافة.
والحضارة الإسلامية نوعان: النوع الأول ــ حضارة إسلامية أصيلة وتُسمّى حضارة الخلق والإبداع، وقد كان الإسلام مصدرها الوحيد، وعرفها العالم لأول مرة عن طريق الإسلام.
والنوع الثاني ــ حضارة قام بها المسلمون في الأمور التجريبية امتدادًا وتحسينًا، كما عرفها الفكر البشري من قبل، وتُسمّى حضارة البعث والإحياء
فالحضارة الإسلامية بهذا المفهوم الجامع الشامل العميق، هي إرثٌ مشترك بين جميع الشعوب والأمم التي انضوت تحت لوائها، وشاركت في بنائها، وأسهمت في عطائها، وهي الشعوب والأمم التي كوَّنت وشائج الأمة الإسلامية ونسيجَها المُحْكَم.
فليست الحضارة الإسلامية حضارةَ جنسٍ معيّن فتكون بذلك حضارةً قوميةً تنتمي إلى قوم مخصوصين، ولكنها حضارة جامعة شاملة للأجناس والقوميات جميعًا التي كان لها نصيبُها في قيام هذه الحضارة، ودورها في ازدهارها وتألقها، وفي امتداد تأثيرها ونفوذها إلى العالم الذي كان معروفًا خلال القرون التي سطع فيها نجمُها واتسع إشعاعها وامتدَّ نفوذها. [1]
(1) - الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة