فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 157

ويتبين من خلال هذا أن مفهوم الحضارة عند ابن نبي شديد الارتباط بحركة المجتمع وفاعلية أبنائه؛ سواء في صعوده في مدارج الرقي والازدهار، أو في انحطاطه وتخلفه، وبالتالي فلا بد من فهم عميق، و"فقه حضاري"نافذ لكل من يريد دراسة المجتمعات دراسة واعية وشاملة؛ لأن حركة المجتمعات الحضارية ظاهرة تخضع كغيرها من الظواهر الإنسانية"لسنن"و"قوانين"اجتماعية وتاريخية ثابتة، لا بد من الإحاطة بها، وإدراك كنهها لكل من يريد أن يعيد لأمته مجدها الحضاري، ويحقق لها ازدهارها المنشود. وهذا ما أكده بقوله:"إن أول ما يجب علينا أن نفكر فيه حينما نريد أن نبني حضارة أن نفكر في عناصرها تفكير الكيماوي في عناصر الماء إذا ما أراد تكوينه؛ فهو يحلل الماء تحليلا علميا، ويجد أنه يتكون من عنصرين (الهيدروجين والأكسجين) ، ثم بعد ذلك يدرس القانون الذي يتركب به هذان العنصران ليعطينا الماء، وهذا بناء ليس بتكديس"

ومفهوم الحضارة عند المفكر المسلم مالك بن نبي، فعلٌ تركيبي قوامه: (الإنسان + التراب + الزمن) : الإنسان باعتباره كائنًا اجتماعيًا، والتراب بخضوعه لضرورات فنية معينة، والزمن بإدماجه ضمن العمليات الاقتصادية والصناعية والاجتماعية. ومن هذه العناصر الثلاثة تتحقّق الحضارةُ عند مالك بن نبي

وللرئيس البوسني علي عزت بيجوفيتش، رأيُ نفيسٌ في الحضارة، يقول فيه: (إن الحضارة تُعَلِّمُ، أما الثقافة فتنوِّرُ، تحتاج الأولى إلى تعلُّمٍ، أما الثانية فتحتاج إلى تأمّل

ويتساءل الدكتور يوسف القرضاوي في أحدث كتاب له، هل للحضارة في الإسلام مفهومٌ خاص تتميّز به عن غيرها من الحضارات السابقة واللاحقة، التي عرفها الناس في الشرق والغرب؟، أو أن جوهر الحضارات واحد، وإن اختلفت أقطارها، وتباعدت أعصارها، وتباينت أجناس صنّاع الحضارة وعقائدهم وفلسفاتهم في الحياة؟. ويخلص بعد ذلك إلى القول إن هناك معنىً عامًّا للحضارة يُفهم من مدلول الكلمة نفسها، وهو جملة مظاهر الرقي المادي والعلمي والفني والأدبي والاجتماعي، في مجتمع من المجتمعات، أو في مجتمعات متشابهة. ويحدّد الدكتور يوسف القرضاوي ثلاثة مستويات للمفهوم الإسلامي للحضارة، وهي: الفقه الحضاري، والسلوك الحضاري، والبناء الحضاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت