بعث الأمير خالد بن أحمد الذهلي والي بخارى إلى محمد بن إسماعيل أن احمل إليَّ كتاب (الجامع) و (التاريخ) وغيرهما لأسمع منك، فقال لرسوله: أنا لا أُذِل العلم، ولا أحمله إلى أبواب الناس، فإن كانت لك إلى شيء منه حاجةٌ، فاحضُر في مسجدي، أو في داري، وإن لم يعجبك هذا فإنك سلطانٌ، فامنعني من المجلس؛ ليكون لي عذرٌ عند الله يوم القيامة؛ لأني لا أكتم العلم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( من سئل عن علم فكتمه، ألجم بلجام من نار ) )، فكان سبب الوحشة بينهما هذا، فاستعان الأمير بحريث بن أبي الورقاء وغيره، حتى تكلموا في مذهبه، ونفاه عن البلد، فدعا عليهم، فلم يأتِ إلا شهرٌ حتى ورد أمر الطاهرية بأن ينادى على خالد في البلد، فنودي عليه على أتان، وأما حريثٌ، فإنه ابتلي بأهله، فرأى فيها ما يجلُّ عن الوصف، وأما فلان، فابتلي بأولاده، وأراه الله فيهم البلايا؛ (سير أعلام النبلاء جـ 464: صـ 465) .
(1) قال عبدالقدوس بن عبدالجبار السمرقندي: جاء محمد بن إسماعيل إلى خرتنك (قريةٌ على فرسخين من سمرقند) ، وكان له بها أقرباء، فنزل عندهم، فسمعته ليلةً يدعو وقد فرغ من صلاة الليل: اللهم إنه قد ضاقت عليَّ الأرض بما رحبت، فاقبضني إليك، فما تم الشهر حتى مات، وقبره بخرتنك؛ (سير أعلام النبلاء جـ 12 صـ 466) .
(2) قال أبو منصور غالب بن جبريل، (وهو الذي نزل عليه البخاري ضيفًا) : أقام أبو عبدالله محمد بن إسماعيل عندنا أيامًا، فمرض، واشتد به المرض، حتى وجه رسولًا إلى مدينة سمرقند في إخراج محمد، فلما وافى تهيأ للركوب، فلبس خفَّيه، وتعمم، فلما مشى قدر عشرين خطوةً أو نحوها وأنا آخذٌ بعضده ورجلٌ أخذ معي يقوده إلى الدابة ليركبها، فقال - رحمه الله: أرسلوني؛ فقد ضعفت، فدعا بدعوات، ثم اضطجع، فقضى - رحمه الله - فسال منه العرق شيءٌ لا يوصف، فما سكن منه العرق إلى أن أدرجناه في ثيابه، وكان فيما قال لنا وأوصى إلينا: أن كفنوني في ثلاثة أثواب بيض، ليس فيها قميصٌ ولا عمامةٌ، ففعلنا ذلك، فلما دفناه فاح من تراب قبره رائحةٌ غاليةٌ أطيب من المسك، فدام ذلك أيامًا، ثم علت سواري بيضٌ في السماء مستطيلةٌ بحذاء قبره، فجعل الناس يختلفون ويتعجبون، وأما التراب فإنهم كانوا يرفعون عن القبر حتى ظهر القبر، ولم نكن نقدر على حفظ القبر بالحراس، وغلبنا على أنفسنا، فنصبنا على القبر خشبًا مشبكًا، لم يكن أحدٌ يقدر على الوصول إلى القبر، فكانوا يرفعون ما حول