وقوله: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} .
قال ابن عباس: (يعني: من احتيج إليه من المسلمين شهد على شهادة إن كانت عنده، ولا يحل له أن يأبى إدا ما دُعي) .
وفي صحيح مسلم عن زيد بن خالد: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: [ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها] [1] .
وأما ما أخرج البخاري عن عبد الله رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: [خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوامٌ تسبقُ شهادة أحدهِم يمينَهُ ويمينُه شهادته] [2] .
وكذلك روى نحوه عن عمران بن حصين, ثم ذكر عمران: قال النبي - صلى الله عليه وسلم: [إن بعدَكم قومًا يخونون ولا يُؤْتَمَنون ويشهدون ولا يستشهدون ويَنْذِرون ولا يَفُون، ويظهرُ فيهم السِّمن] .
فالمقصود قوم لهم مصلحة بشهادة ما، فالحديث في موضع ذمٍّ لهم ولأمثالهم لا في موضع مدح، وقيل هؤلاء شهود الزور، ولذلك قال إبراهيم - عقب حديث عبد الله: (وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد) .
وقوله: {وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ} .
إرشاد إلى دقة الكتابة وعدم التهاون بتفاصيلها، أي: ولا تملّوا أن تكتبوا الحق بكل ما فيه من صغيرة وكبيرة. يقال: سئمت، أي: مللت. وقوله: {إِلَى أَجَلِهِ} ، إلى أجل الحق.
وقوله: {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا} .
أي: هذا الذي أمرتم به من الكتابة والدقة أعدل عند الله وأثبت لأمر الشهادة، فإن الشاهد إذا رآه تذكر خطه فربما يكون قد نسيه.
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (1719) ، وأحمد (5/ 193) ، وأبو داود (3569) ، والترمذي (2296) . من حديث زيد بن خالد رضي الله عنه.
(2) حديث صحيح. أخرجه البخاري (2352) ، كتاب الشهادات، باب: لا يشهد على شهادة جَور إذا أشهد. وانظر (2651) للحديث بعده. وكذلك (3651) .