وعليه، فثمة عدة رؤى ومنظورات متفاوتة ومختلفة ومتباينة حول مفهوم التراث. وثمة أيضا تصنيفات عديدة استعرضها المثقفون العرب في أثناء تعاملهم مع التراث. وقد برز الكثير من الباحثين والدارسين الذين يهتمون بالتراث، مثل: حسين مروة، والطيب التزيني، وعبد الله العروي، ومحمد عابد الجابري، وعبد الكبير الخطيبي، وغالي شكري، وزكي نجيب محمود، وأدونيس، ويوسف الخال، وحسن حنفي، ومحمد عمارة ...
وهكذا، يرى عبد الله العروي، صاحب التوجه التاريخاني - مثلا -، أن ثمة نوعين من المثقفين: مثقف سلفي ينظر نظرة تقليدية إلى التراث، ومثقف انتقائي يختار من التراث ما يعجبه، ويخدم رؤيته. لكن هذين الاتجاهين يغفل الجانب التاريخاني للتطور الحضاري والفكري، سواء أكان ذلك في الغرب أم عند العرب. فلا بد - إذًا- من تبني المقاربة التاريخانية لعقلنة موروثنا الثقافي والحضاري، وتحقيق التقدم الهادف والبناء. وفي هذا السياق، يقول عبد الله العروي:"الغالبية العظمى منهم بحسب المنطق التقليدي السلفي، والباقي بحسب منطق انتقائي، إلا أن الاتجاهين، يعملان على إلغاء البعد التاريخي، ولكن إذا محا المثقف التاريخ من فكره، فهل يمحوه من الحقيقة الواقعة؟ بكل تأكيد لا. إن التاريخ من حيث هو بنية ماضية- حاضرة يشكل الشرط الحالي للعرب، تماما- بمقدار ما يشكل شرط خصومهم، وذلك أن الفكر اللاتاريخي لا يؤول إلا إلى نتيجة واحدة: عدم رؤية الواقع. وإذا ترجمنا هذا بعبارات سياسية، قلنا: إنه يوطد- في جميع المستويات- التبعية". [1]
ومن زاوية أخرى، يرى الباحث المصري الدكتور حسن حنفي أنه من الضروري العودة إلى الماضي لفهمه جيدا، واستيعابه بشكل متأن وواع، وقراءته قراءة سياقية وظيفية لفهم حاضرنا المعاصر،
(1) - انظر: عبد الله العروي: أزمة المثقفين العرب، تقليدية ... أم تاريخية، ترجمة د. دوقان قرطوط، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الاولى سنة 1978 م.