وهاهنا حقيقةٌ كبرى أثبَتَها علماء الأشعرية الكبار بأنفسهم - كالجويني وأبي المعالي والرَّازي والغزالي، وغيرهم - وهي حقيقة إعلان حيرتهم وتوبتهم ورجوعهم إلى مذهب السَّلَف، وكتب الأشعرية المتعصِّبة مثل"طبقات الشافعية"أورَدَت ذلك في تراجمِهم أو بعضَه، فما دلالة ذلك؟!
إذا كانوا من أصلهم على عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة، فعن أيِّ شيء رجعوا؟! ولماذا رجعوا؟! وإلى أيِّ عقيدة رجعوا؟!"؛ اهـ."
قلتُ: وخلاصة القول في هذه المسألة أنَّ الأشاعرة ليسوا من أهل السُّنَّة؛ وذلك للأسباب الآتية:
أوَّلًا: أنَّ أَصْل الاستدلال عند أهل السُّنَّة"الأثرية"الأثَر، وأمَّا عند الأشاعرة والماتريدية فأَصْل استدلالهم قائمٌ على العقل.
وكنا قد نقَلْنا آنفًا أنَّ الذي يَعتمد الأثر، يكون مستنَدُه القرآن والسُّنة وما كان عليه أهل القرون الأُولى الخَيِّرة، وأما الذي يعتمد العقل فيَطْرَح كلَّ ما قرر قبله إذا خالف عَقْله ولا يسلِّم إلاَّ لعقله، فيبعد عن اقتفاء أثَر الجماعة، الذين قال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن سِمَتهم:"إنهم هم مَن كانوا على ما كان عليه هو وأصحابه".
ثانيًا: أن أبا الحسن الأشعري - رحمه الله - عاد إلى مسلك السَّلَف في اعتماد الأثر، وقد خصَّصَ مؤلَّفًا كاملًا لبيان معتقَدِه الجديد سماه:"الإبانة"، فإنْ رجَع مؤسِّس المذهب عمَّا أسَّس، وجب التَّسليم ببطلان ما أسس، فهو أعلم مِن غيره بمذهبه.
ثالثًا: أن أئمَّة المذاهب المختلفة قالوا بتبديع الأشاعرة، كما مرَّ في كلام الشيخ سفر بن عبدالرحمن الحوالي - حفظه الله.
رابعًا: كيف يكون من أهل السُّنَّة والجماعة من لا يُثْبت علُوَّ الربِّ سبحانه فوق سمواته، واستواءَه على عرشه، ويقول: حروف القرآن مخلوقة، وإنَّ الله لا يتكلَّم بصوت ولا حَرْف، ولا يُثْبِت رؤية المؤمنين ربَّهم في الجنَّة بأبصارهم، ويفسِّرها بزيادة عِلْمٍ يَخْلقه الله في قَلْب الرَّائي، ويقول: الإيمان هو مجرَّد التَّصديق، مع مسائل في القدَر والنُّبوَّات وغيرها من مباحث الاعتقاد.
وممَّا مرَّ يتكَشَّف لك حقيقة القول بانتساب الأشاعرة إلى أهل السُّنَّة، فالْزَم ما عرفت؛ فإنَّ فيه النجاة - إن شاء الله - ولكن يبقى لنا سؤال: ما هو حكم هؤلاء الأشاعرة؟!