أجل ذلك كتب عليهم أن الجروح قصاص و النفس بالنفس، و منذ وُجد ابن آدم و هو يصارع و يحارب، فنشأت الحروب كعلاقة من العلاقات الاجتماعية الحتمية، فالاحتكاك و التجمع بين البشر يُوَلِّد صدامًا من نوع ما، إذ جبل الإنسان على غريزة التملك؛ التي تدعوه إلى التشبث بما يملكه، فهذه الغريزة تحفظ البقاء فتتولد عنها غريزة المقاتلة، و في أبسط صورها دفاعًا عن حقه في الاستمرار و الحياة، و قد تتعقد نفسية الإنسان و تصبح حاجاته و متطلباته مركبة، فلا يقاتل طالبًا للقوت أو دفاعًا عنه فقط، و إنما يقاتل طلبًا للحرية و رفعًا للظلم و استردادا للكرامة.
و يُفَصِّل ابن خلدون هذه الحقيقة في مقدمته فيقول:"اعلم أن الحروب و أنواع المقاتلة لم تزل واقعة في الخليقة منذ برأها الله، و أصلها إرادة انتقام بعض البشر من بعض، و يتعصب لكل منها أهل عصبيته، فإذا تذامروا لذلك و توافقت الطائفتان؛ إحداهما تطلب الانتقام"
و الأخرى تدافع، كانت الحرب.
و هو أمر طبيعي في البشر، إما غيرة و منافسة، و إما عدوان، و إما غضبا لله و لدينه،
و إما غضبا للملك و سعيا في تمهيده" [1] ."
و لك أن تتدبر في شعار"الديمقراطية"، أليس ذا هو النظام الذي لا ند له؟
ألم يقم بالدماء و فرض بالقوة؟
بل كان علة لاحتلال البلدان و اسقاط الأنظمة؟
فواحدة بمثلها، أتكون الحرب مشروعة بداعي نشر الديمقراطية، و لا تكون بداعي نشر دين الله؟
فإن كان لا إكراه في الدين، فهل يكره على الديمقراطية؟
و المتتبع لخطاب أن لا حرب في الإسلام إلا دفاعا يلمح أن"الباحثين الإسلاميين المعاصرين - المهزومين تحت ضغط الواقع الحاضر، و تحت الهجوم الاستشراقي الماكر - يتحرجون من تقرير تلك الحقيقة؛ لأن المستشرقين صوروا الإسلام حركة قهر بالسيف للإكراه على العقيدة."
و المستشرقون الخبثاء يعرفون جيدًا أن هذه ليست الحقيقة، و لكنهم يشوهون بواعث الجهاد الإسلامي بهذه الطريقة؛ و من ثَمَّ يقوم المنافحون- المهزومون - عن سمعة الإسلام، بنفي هذا الاتهام، فيلجؤون إلى تلمس المبررات الدفاعية، و يغفلون عن طبيعة الإسلام و وظيفته،
و حقه في"تحرير الإنسان"ابتداء.
(1) المقدمة: عبد الرحمن بن خلدون. دار الرائد العربي: بيروت. ط (5) ، 1989. ص 376.