هذا ولقد قيض الله تعالى لهذا الفن، عباقرة ألباء وأفذاذا موهوبين، أنفقوا أنفس أوقاتهم في التنقيب عن جواهره، وأفنوا العمر في ضبط أصوله وإرساء قواعده، وتحرير فروعه، حتى أثرى هذا الفن وآض كنزًا ضخمًا باتساع أبوابه والتفريع على قواعده وضوابطه، وبالرغم من تشعب المسائل وتكاثر الفروع إلا أنه لم يخرج عن ينبوعيه الصافيين.
... ولقد تمشى منذ بداية التشريع مع سنة التدرج، ينمو كلما جد جديد بحسب النوازل، مصاحبًا للأحداث فهو على عصر التشريع نام متجدد.
... الفقه في عصر التشريع: ...
فمنذ انبثق فجر الإسلام ولاح هداه، نشأ الفقه الإسلامي، إلا أنه نما أكثر حين تكونت الدولة الإسلامية الأولى في طيبة الطيبة فتتابع الوحيان: القرآن ينزل، وصاحب الوحي يبين ويفصل فكانت الوقائع والنوازل يتدخل في حلها وحي السماء، ويسأل الرسول فيأتيه جبريل بالسؤال والجواب معًا.
ــــــــــــ
1 _ ديوان الشافعي ص 88 بتعليق محمد عفيف الزعبي.
لذلك كثيرًا ما نجد في الفرقان صيغة (( يسألونك ) )فمنها:
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ} (1)
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ} (2)
{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ} (3)
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} (4)
... هذا إلى جانب فتاوى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقد كان يجيب على الأسئلة، ويفتي في القضايا، ويجتهد فيما لم يوح فيه إليه ولا يصل إلا إلى الصواب.
... ولقد اتسم الفقه في العصر النبوي بالمميزات التالية:
أولًا _ أنه سار متمشيًا مع الوقائع والأحداث، فالتشريع في عصره أحكام وقائع حدثت فعلًا، فما هناك تشريعات بنيت على افتراضات وتخيل وقائع.
... وهذه السمة تظهر جلية في الأمثلة السابقة.