يفرّق الفقهاء بين الاحتكار وادخار القوت، فالأول ممنوع والثاني جائز، وقد أفاضت عبارات الفقهاء في بيان ذلك فقالوا بأنه لا خلاف في أن ما يدخره الإنسان من قوت وما يحتاج إليه الناس من سمن وعسل وقمح وغير ذلك جائز ولا بأس به، ويدل على ذلك ما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُعطي كل واحدة من زوجاته مائة وسق من خيبر، كما كان صلى الله عليه وسلم يدخر لأهله قوت سنتهم من تمر وغيره (1) .
وبناءً على ذلك فإن ما يحتاج إليه الإنسان في معيشته من قوت يكون ادخاره جائزًا ولا يسمى ذلك احتكارًا، لأن الاحتكار هو حبس الطعام إرادة إغلائه على الناس، أما ادخار القوت فليس بهدف الإغلاء ولكن بغرض الحصول على السلعة بأرخص الأثمان في الوقت المناسب وهو ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم.
أما إمساك ما اشتراه الإنسان حالة استغناء أهل البلد رغبة في أن يبيعه إليهم وقت حاجتهم إليه فإنه ينبغي إلا يكره بل يستحب وربما يكون هذا حسنة، لأنه ينفع به الناس ويحقق مصلحة المتعاملين.
وها نظر سديد يُظهر حرص الفقهاء على منع الضرر عن المنتجين مع حفظ حقوق المستهلكين فامتصاص الزائد عن الحاجة من الأسواق يمنع الضرر عن المنتجين، إذ قد يكون هذا الإنتاج هو كل ثروته ولا يستطيع الوفاء بالتزاماته وسداد ديونه إلا ببيع ما عنده في هذا الوقت بالذات، ومن ثم كان منع ذلك تضييقًا على الناس وإيقاعهم في حرج بالغ والحرج مرفوع، كما أن حفظ هذا الزائد عن الحاجة لدى من يشتريه من التجار ليبيعه مرة أخرى إلى المستهلكين حتى وإن غلا ثمنه عند وقت شرائه، فذلك أمر طبيعي إذ حفظه لوقت الحاجة إليه يحتاج إلى نفقات فضلًا عن حاجة التاجر إلى ربح أمواله التي استخدمها في ذلك- يحقق المصلحة للمستهلكين في حصولهم على ما يحتاجون إليه وقت رغبتهم إليه.
(1) 20) فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج 9،ص 414 - بدائع الصنائع، ج 5، ص 139 - مغني المحتاج، ج 2، ص 38.