والمراد بالقراءة بلحون العرب القراءة التي تأتي حسب سجية الإنسان وطبيعته من غير تصنع ولا تَعَمُّل ولا قصد إلى الأنغام المستحدثة والألحان التي تذهب بروعة القرآن وجلاله.
والمراد بلحون أهل الفسق والكبائر: القراءة التي تراعى فيها النغمات الموسيقية والتطريب والتلحين. وإنما حذر النبي صلى الله عليه وسلم من هذه القراءة لأن الشأن فيها أنها تكون ذريعة إلى التلاعب بكتاب الله تعالى لزيادة فيه أو النقص منه إما بتطويل المدّ فوق المقدار المقرر له أو تقصيره عن المقدار المذكور أو بالمبالغة في الغن أو النقص فيه، أو بتوليد ألف من الفتحة وياء من الكسرة وواو من الضمة إلى غير ذلك، مما يترتب على القراءة بالأنغام
هامش (1) رواه الطبراني في الأوسط [7223] عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه وقال الهيثمي في المجمع فيه راو لم يسم. و"بقية"أيضًا، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع.
والألحان الموسيقية من انحراف عن الجادة في القراءة وبُعد عن الصواب في التلاوة.
ومن أجل ذلك كانت القراءة بهذه الألحان مذمومة ومحرمة شرعًا.
فإن قرأ القارئ بهذه الأنغام الموسيقية ولكن تحرى الدقة في إتقان الحروف وتجويد الكلمات، وتحسين الأداء ومراعاة حسن الوقف والابتداء، ولم ينحرف يمنةً أو يسرةً عن القواعد التي وضعها علماء القراءة فلا بأس بها.
هذا: وقد أوردت هذا الحديث دليلًا على وجوب تجويد القرآن الكريم تبعًا لبعض الكاتبين من علماء التجويد، ولكن بالتأمل الدقيق والنظر الفاحص لا نجد في الحديث ما يدل على هذه الدعوى ولا أنه سيق لإثباتها. إنما سيق الحديث للحث على قراءة القرآن على حسب السليقة الإنسانية والطريقة العربية، التي لا تَصَنُّعَ فيها ولا تَعَمُّل ولا إسراف فيها ولا تقصير. وللتحذير من قراءة أهل المجون والأهواء. تلك القراءة التي لا تراعى فيها حرمة القرآن ولا تتفق وماله من قدسية وجلال.