ومما ساقه الكاتبون دليلًا على هذه الدعوة أيضًا - وجوب
التجويد - قوله صلى الله عليه وسلم:"رُب قارئ للقرآن والقرآنُ يلعنُه" (1) .
وهذا الحديث لا يدل على المدعي أيضًا، لأن لعن القرآن للقارئ يحتمل أن يكون لأن القارئ أخل بقوانين التلاوة وقَصَّرَ في نظام الأداء. ويحتمل أن يكون لأنه لم يعمل بمقتضاه ولم يقف عند حدوده ومع قيام هذا الاحتمال لا يدل الحديث على المدعي، لأن من القواعد المقررة"أن الدليل إذا طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال".
وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة من عهد نزول القرآن إلى وقتنا هذا على وجوب قراءة القرآن قراءة مجودة سليمة من التحريف والتصحيف، بريئة من الزيادة والنقص. مراعى فيها ما تجب مراعاته في القراءة من القواعد والأحكام، لا خلاف بين المسلمين في كل عصر.
وإذا ثبت أن التجويد العملي واجب محتم على كل مكلف ذكرًا كان أم أنثى ثبت أن من يقرأ القرآن غير مجود يكون عاصيًا آثمًا يستحق العقاب على قراءته يوم القيامة. وسأزيدك بيانًا في هذا المقام عند الكلام عن اللحن وقسميه إن شاء الله تعالى.
ومما يجب التنبيه له أن التجويد العملي لا يمكن أن يؤخذ من #هامش (1) ذكره صاحب"روح المعاني"في تفسيره [22/ 192] .
المصحف مهما بلغ من الضبط والإجادة. ولا يمكن أن يتعلم من الكتب مهما بلغت من البيان والإيضاح. وإنما طريقه التلقي والمشافهة والتلقين والسماع والأخذ من أفواه الشيوخ المهرة المتقنين لألفاظ القرآن، المحكمين لأدائه الضابطين لحروفه وكلماته، لأن من الأحكام القرآنية ما لا يحكمه إلا المشافهة والتوقيف ولا يضبطه إلا السماع والتلقين، ولا يجيده إلا الأخذ من أفواه العارفين.