وأما بالنسبة لأهل العلم فمعرفته واجبة على الكفاية ليكون في الأمة طائفة من أهل العلم تقوم بتعلم وتعليم هذه الأحكام من يريد أن يتعلمها، فإذا قامت طائفة منهم بهذه المهمة سقط الإثم والحرج عن باقيهم وإذا لم تقم طائفة منهم بما ذكر أثموا جميعًا.
وأما القسم العملي فحكمه أنه واجب وجوبًا عينيًا على كل من
يريد قراءة شيء من القرآن الكريم قل أو كثر، سواء كان ذكرًا أم أنثى من المكلفين وهذا الحكم -وهو الوجوب- ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: (وَرَتِّل القُرْءانَ تَرْتيلًا) فإن المراد بالترتيل: تجويد الحرف وإتقان النطق بالكلمات، فقد سُئل علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن الترتيل في هذه الآية فقال: الترتيل: تجويد الحروف ومعرفة الوقوف. وقال بعض المفسرين: إيت بالقرآن في تؤدة وطمأنينة وتدبر وتذليل اللسان على النطق بالحروف والكلمات متقنة مجودة بقصر ما يجب قصره، ومدُ ما يجب مده وتفخيم ما يتعين تفخيمه وترقيق ما يتحتم ترقيقه، وإدغام ما يجب إدغامه، وإخفاء ما يلزم إخفاؤه. إلى غير ذلك من الأحكام.
وقوله تعالى: (وَرَتِّلِ) أمر. وهو هنا للوجوب لأن الأصل في الأمر أن يكون للوجوب إلا إذا وجدت قرينة تصرفه عن الوجوب إلى غيره من الندب أو الإباحة أو الإرشاد أو التهديد إلى غير ذلك فيحمل على ذلك لتدل عليه القرينة ولم توجد قرينة هنا تصرفه عن الوجوب إلى غيره ليبقى على الأصل وهو الوجوب.
وأما السُنة فمنها قوله صلى الله عليه وسلم:"اقرءوا القرآن"
بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق والكبائر فإنه سيجيء أقوام من بعدي يُرَجّعُونَ القرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنوح لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبهم شأنهم" (1) رواه الإمام مالك والنسائي والبيهقي والطبراني."