الإنسان إذا ما اختبره ربه بالنعمة وبسط له رزقه وجعله في أطيب عيش فيظن أن ذلك لكرامته عند ربه وليس الأمر كذلك بل هو ابتلاء وامتحان وأما إذا ابتلاه وامتحنه وضيق عليه رزقه فيظن أن ذلك إهانة له من الله و ليس الأمر كما زعم لا في هذا ولا في هذا فإن الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب ويضيق على من يحب ومن لا يحب. والمراد في ذلك طاعة الله في كل من الحالين: إذا كان غنيا بأن يشكر الله على ذلك وإذا كان فقيرا بأن يصبر
وقال تعالي وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الحج:11] }
من الناس مَن يدخل في الإسلام على ضعف وشكٍّ فيعبد الله على تردده كالذي يقف على طرف جبل أو حائط لا يتماسك في وقفته ويربط إيمانه بدنياه فإن عاش في صحة وسَعَة استمر على عبادته وإن حصل له ابتلاء بمكروه وشدة رجع عن دينه وارتد كافرا و قد خسر الدنيا إذ لا يغيِّر كفرُه ما قُدِّر له في دنياه وخسر الآخرة بدخوله النار وذلك هو الخسران الكبير الواضح.
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو المنافق إن صلحت له دنياه أقام على العبادة وإن فسدت عليه دنياه وتغيرت انقلب فلا يقيم على العبادة إلا لما صلح من دنياه فإن أصابته فتنة أو شدة أو اختبار أو ضيق ترك دينه ورجع إلى الكفر.
وحالهم حال من قال الله عنهم وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاء نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ [العنكبوت:10] }
هؤلاء يدعون الإيمان بألسنتهم ولم يثبت الإيمان في قلوبهم و إذا جاءتهم محنة وفتنة في الدنيا رجع إلى الكفر فخسروا الدنيا والآخرة ولهذا قال من الناس من يقول: آمنا بالله فإذا آذاه المشركون جزع من عذابهم وأذاهم كما يجزع من عذاب الله ولا يصبر على الأذيَّة منه فارتدَّ عن إيمانه ولئن جاء نصر من ربك لأهل الإيمان يقولَ المرتدون عن إيمانهم: إنَّا كنا معكم أيها المؤمنون ننصركم على أعدائكم أوليس الله أعلم بما في صدور خلقه؟
1 -التميز بين الخبيث والطيب: قال تعالي مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [آل عمران:179] }
ما كان الله ليَدَعَكم أيها المؤمنين حتى يَمِيزَ الخبيث من الطيب بالمحن والابتلاء فيُعرف المنافق من المؤمن الصادق