قال: لكن نحن لا يهمنا الا اجراء أحكام الدنيا، أما الاخرة فحكمها الى الله تعالى، وحينئذ فالخلاف سيكون لفظيا، المرجئة والسلف متفقون على أن ساب الرسول والساجد للصنم مثلا، نجري عليه أحكام التكفير في الدنيا لاننا لاسبيل لنا لمعرفة ما في قلبه، فيأخذ الجميع بالنواقض العملية في أحكام الدنيا على اتفاق بينهم من باب الاخذ بالظاهر والله يتولى السرائر 0
قلت: الخلاف فيما لو زعم بلسانه أنه مصدق في حال اتيانه بالناقض العملي كالسجود للصنم وسب الرسول صلى الله عليه وسلم مثلا، بمعنى أنه يفعل ذلك ويزعم أنه غير مستحل، فهل نكفره، ونقيم عليه حد الرده، والعجب أن مرجئة العصر أوغل في الارجاء من المتقدمين انهم يقولون لانكفره ولا نعمل بالظاهر وان سجد للصليب وسب الرسول صلى الله عليه وسلم ونحوها، ولانكفر الا من يقر على نفسه انه مستحل جاحد فقط، وهذا من أعجب المذاهب، وأعجب منه من يقول لانكفر أهل الشهادتين قط لان الكفر قد يندفع بما يندفع به وعيد عصاة الموحدين 0
قال: دعنا الان من مرجئة العصر، فلنفهم أولا مذهب الارجاء القديم والفرق بينه وبين مذهب السلف، ثم نعود الى من تقصدهم بالتفصيل، أجبني على السؤال التالي: كيف يتصور أن يسجد للصنم أو يسب الرسول صلى الله عليه وسلم ويزعم أنه مصدق بدين الاسلام غير مستحل لما يفعل، الا ان يكون مكرها، والمكره نزل فيه قوله تعالى (الا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان)
قلت: يتصور أن يوافق المشركين على دينهم ايثارا لعرض من اعراض الدنيا، يوافقهم فيسجد للصليب مثلا ليعطوه أو يكرموه أو يجعلوه سفيرا أو أميرا أو ينحلوه مالا، أو ليبقى في بلادهم حيث يتنعم فيها بملذات لايجدها في بلاده، وهو في قلبه كافر بصليبهم، واذا خلا بالمسلم يظهر له كفره بالصليب، ويسجد له في ظاهر أمره ويعظمه، موافقة للمشركين طمعا في دنياهم 0
قال: أو يسب معهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لنفس الغرض، أو يعظم دينهم ويرفعه على دين الاسلام، لنفس الغرض، أو يقاتل معهم وينصرهم على المسلمين لنفس الغرض، وهو مع ذلك لايستحل هذا كله، ويصدق بقلبه بدين الاسلام، ويقر لمن يخلو به من المسلمين ان دين الاسلام هو الحق