المقال التاسع
التكفير والهجرة
العنف ظاهرة بشرية متشعبة ومعقدة، وبواعثه يصعب عدها وحدها، فمنها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والنفسية والنظم نفسها، ومنها القيم الثقافية الخاطئة، سواء العلمانية ــ بالمفهوم الواسع للعلمانية الذي يشمل كل فكر لا يلتزم بدين كالفكر الماركسي الثوري على سبيل المثال ــ والإسلامية التي اتخذت العنف سبيلا لتحقيق أهدافها.
ويأخذ العنف صورا شتى فمنها العنف التكنولوجي المتطور مثل العنف الروسي في الشيشان والإسرائيلي في فلسطين ولبنان، ومنها العنف البدائي كما يحصل في أفريقيا السوداء، ومنها العنف المنظم الذي تديره الدول الكبرى وتغطيه بذكاء إعلامي وتخوضه ـ أحيانا ـ بحروب الوكالة من وراء ستار مصالحها الاستراتيجية .... الخ
ومن تلك الصور: العنف المصنع، وهو ذلك العنف الذي يتم تصنيعه في السجون عبر منظومة من المستحثات الفكرية و النفسية التي تولد مجموعات يغرس فيها خيار العنف كحل أخير ويائس تتشبع به عند بلوغ قاع المهانة والشعور بالظلم الاجتماعي والسياسي في أثناء جرعات التعذيب المنظم، الذي يصاحبه الإذلال الديني، أو القومي أو الاثني أو العرقي ... الخ.
وتتخذ بعض الدول هذا العنف المصنع وسيلة للتعاطي السياسي، إما لتسويغ عنف الدولة الذي تلجأ إليه لإحداث توازن قوى في اللعبة السياسية، أو تصفية حسابات أو أحزاب منافسة أو معارضة سياسية، أو التلويح بالعصا لفتح الطريق لتمرير تغييرات ثقافية أو صفقات دولية سياسية خارجية أو داخلية تدر مكاسب شخصية أو ربما تكون تلك الصفقات مفروضة بضغوط خارجية، أو لاثبات هيبة النظام، أو لصرف الأنظار عن لعبة سياسية أخرى، أما مجموعات العنف المصنعة فإنها يتم التخلص منها بعد التضحية بها كما تحرق الأوراق في اللعبة السياسية.