يخبر تعالى بأن ما يفعله الناس من الخير وما يتصدقون به من مال أو غيره كثير أو قليل ابتغاء مرضات الله أو أوجبتم على أنفسكم شيئًا من مال أو غيره فإن الله يعلمه وهو المُطَّلِع على نياتكم وسوف يثيبكم عليه و إن تظهروا ما تتصدقون به لله ففيه قدوة للناس لبذل المال وإن تسرُّوا بها وتعطوها الفقراء فهذا أفضل لكم لأنه أبعد عن الرياء والصدقة مع الإخلاص محو لذنوبكم والله لا يخفى عليه شيء من أحوالكم وسيجازي كلا بعمله ليس عليك يا محمد هدى المشركين إلى الإسلام وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر بأن لا يتصدق إلا على أهل الإسلام حتى نزلت هذه الآية {ليس عليك هداهم} فأمر بالصدقة بعدها على جميع الفقراء دون النظر إلي دينهم وانتمائهم كما قال تعالي
لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة: 8] إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الممتحنة: 9]
ومعناها أن الله لا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم في الدين كالنساء والأطفال والضعفاء منهم أن تحسنوا وتعدلوا إليهم إن الله يحب المقسطين. وفي الحديث الصحيح [المقسطون على منابر من نور عن يمين العرش الذين يعدلون في حكمهم وأهاليهم وما ولوا] و عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: قدمت أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصلها؟ قال [نعم صلي أمك]
إنما ينهاكم عن موالاة الذين ناصبوكم بالعداوة فقاتلوكم وأخرجوكم وعاونوا على إخراجكم ومن يتخذهم أنصارًا وأحبابًا على المؤمنين فأولئك هم الظالمون لأنفسهم الخارجون عن حدود الله. وما تنفقوا من خير فلأنفسكم كقوله مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ [فصلت: 46] أي أن المتصدق إذا تصدق ابتغاء وجه الله فأجره على الله وما تنفقوا من خير فثوابه مردود عليك.
واجعلوا صدقاتكم لفقراء المسلمين الذين لا يستطيعون السفر طلبًا للرزق لاشتغالهم بالجهاد في سبيل الله يظنهم مَن لا يعرفهم غير محتاجين إلى الصدقة لتعففهم عن السؤال تعرفهم بعلاماتهم وآثار الحاجة فيهم لا يسألون الناس بالكُليَّة وإن سألوا اضطرارًا لم يُلِحُّوا في السؤال وما تنفقوا مِن مال في سبيل الله فلا يخفى على الله شيء منه وسيجزي عليه أوفر الجزاء يوم القيامة. الذين يُخْرجون أموالهم مرضاة لله ليلا ونهارًا سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم يوم القيامة ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا. وعن أبي مسعود رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال [إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة يحتسبها كانت له صدقة] وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسعد بن أبي وقاص حين عاده مريضا عام الفتح وفي رواية عام حجة الوداع [وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة حتى ما تجعل في في أمرأتك]
يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا [الإنسان: 7] وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا [الإنسان: 8] إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا [الإنسان: 9] }