فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 146

لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَن يَاكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُون"."

ففندوا فكرة الذئب الذي يخاف أبوه أن يأكله: نحن عشرة من الرجال، فهل نغفل عنه ونحن كثرة؟

وبالتالي سنكون خاسرين غير أهل للرجولة لو وقع ذلك.

لن يأكله الذئب ولا داعي للخوف عليه.

وافق الأب تحت ضغط أبنائه، ليتحقق قدر الله وتتم القصة كما تقتضي مشيئته سبحانه!

ومن هنا تبدأ المحنة الأولى ليوسف عليه الصلاة والسلام.

خرج الأخوة ومعهم يوسف، وأخذوه للصحراء، اختاروا بئرا لا ينقطع عنها مرور القوافل وحملوه وهموا بإلقائه في البئر، وأوحى الله إلى يوسف أنه ناج فلا يخاف، وأنه سيلقاهم بعد يومهم هذا وينبئهم بما فعلوه.

عند العشاء جاء الأبناء باكين ليحكوا لأبيهم قصة الذئب المزعومة، أخبروه بأنهم ذهبوا يستبقون، فجاء ذئب على غفلة، وأكل يوسف.

لقد ألهاهم الحقد الفائر عن سبك الكذبة، فلو كانوا أهدأ أعصابا ما فعلوها من المرة الأولى التي يأذن لهم فيها يعقوب باصطحاب يوسف معهم!

ولكنهم كانوا معجلين لا يصبرون، يخشون ألا تواتيهم الفرصة مرة أخرى، كذلك كان التقاطهم لحكاية الذئب دليلا على التسرع، وقد كان أبوهم يحذرهم منها أمس، وهم ينفونها.

فلم يكن من المستساغ أن يذهبوا في الصباح ليتركوا يوسف للذئب الذي حذرهم أبوهم منه أمس!

وبمثل هذا التسرع جاءوا على قميصه بدم كذب لطخوه به في غير إتقان، ونسوا في انفعالهم أن يمزقوا قميص يوسف كما هو ظاهر الآيات: جاءوا بالقميص كما هو سليما، ولكن ملطخا بالدم. وانتهى كلامهم بدليل قوي على كذبهم حين قالوا:"وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ".

أي: وما أنت بمطمئن لما نقوله، ولو كان هو الصدق، لأنك تشك فينا ولا تطمئن لما نقوله.

أدرك يعقوب من دلائل الحال، ومن نداء قلبه، ومن الأكذوبة الواضحة، أن يوسف لم يأكله الذئب، وأنهم دبروا له مكيدة ما، وأنهم يلفقون له قصة لم تقع، فواجههم بأن نفوسهم قد حسنت لهم أمرا منكرا، وذللته ويسرت لهم ارتكابه، وأنه سيصبر متجملا لا يجزع ولا يفزع ولا يشكو،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت