10 -فالموت حق، والمؤمن الحقيقي هو الذي يدرك تمام الإدراك أن الدنيا ما هي إلا استراحة قصيرة، ليتزود منها للآخرة، بذكر الموت والتعلق بالله عز وجل، فيهون عليه ما يفوته من زخرف الدنيا وحطامها الزائل [68] . وفي هذا المعنى، قال الإمام علي رضي الله عنه: القبر صندوق العمل، والناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا [69] ، وقال الإمام المشهور في الزهديات الحسن البصري رحمه الله تعالى: فضح الموت الدنيا فلم يترك لذي لب فرحًا، وما ألزم عبد قلبه ذكر الموت إلا صغرت الدنيا عنده، وهان عليه جميع ما فيها [70] . وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول دائمًا: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك [71] . وقد صدق ابن عمر رضي الله عنهما، لقوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [72] . وقوله سبحانه: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا} [73] .
المبحث الثاني
حقيقة الموت عند فقهاء الإسلام
11 -الموت في الحقيقة، كما قال بعض العلماء الذين بصرهم الله جل وعلا بعيوب الدنيا، ليس بعدم محض أو فناء صرف، وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن، ومفارقة وحيلولة بينهما. فهو ليس فناءً أو انقطاعًا بالكلية عن الحياة، وإنما هو تبدل حال فقط، وانتقال من دار إلى دار [74] ، أي انتقال الإنسان من دار التكليف والعمل إلى دار البرزخ والسؤال [75] . فقد ورد عن الخليفة عمر بن عبدالعزيز رحمه الله أنه قال: إنما خلقتم للأبد والبقاء، ولكنكم تنقلون من دار الفناء إلى دار البقاء [76] .