ومما سبق، يتضح لنا أن الفقهاء قد اجتهدوا في هذا المجال، وبذلوا غاية الوسع في رسم الحدود الشرعية للاكتشافات الحديثة في ميدان الطب والجراحة والبيولوجيا، وفقًا لأصول الفقه الإسلامي وقواعده العامة مع احترام الأخلاق الشرعية للمهنة الطبية في ضمان حرمة النفس والجسم والجثة. وقد أحسن الفقهاء صُنعًا عندما واكبوا هذه التطورات الطبية الحديثة.
إن الفقه الإسلامي لا يعرف الجمود والوقوف، فهو لا تخيفه النوازل والمستجدات مهما تطورت وتعددت وذلك لأنه فقه مرن حي قابل للتطور دائمًا إلى الأمام، بما يشتمل عليه من قواعد فقهية كلية، ومبادئ القياس المنطقي، وكذا الأحكام الموضوعية عن طريق أصول الاجتهاد والاستنباط من المصادر الشرعية.
المبحث العاشر
حكم أخذ أعضاء الميت لإنشاء بنوك الأعضاء
142 -من المعروف طبيًّا أن أعضاء الميت بعد اقتطاعها من الجثة تحفظ في سائل معين، وفي درجة برودة معينة، ويمكن أن تبقى حية محفوظة في بنوك الأعضاء لفترة من الزمن [905] .
وقد أجاز جماعة من العلماء المحدثين اقتطاع أعضاء الميت، كالعيون والكليتين مثلًا، ووضعها في بنوك الأعضاء لمداواة الأحياء بها إذا دعت إليه الضرورة، وصدرت في هذا الخصوص الفتوى المشهورة رقم 73/ 1966 من دار الإفتاء المصرية التي قررت بأن الاستيلاء على عين الميت لتحقيق مصلحة راجحة للحي الذي حرم نعمة البصر عقب وفاته، وحفظها في بنك يسمى"بنك العيون"لاستعمالها في ترقيع قرنية المكفوفين الأحياء الذين حرموا نعمة البصر، ليس فيه اعتداء على حرمة الميت، وهو جائز شرعًا، لأن الضرورة دعت إليه، فإذا كان أخذ عين الميت لترقيع قرنية عين المكفوف الحي مصلحة ترجح المحافظة على الميت جاز ذلك شرعًا. لأن الضرر الذي يلحق بالحي المضطر لهذا العلاج أشد من الضرر الذي يلحق الميت الذي تؤخذ منه عينه بعد وفاته [906] .