فالموت أمر عظيم، بيد الخالق الباري وحده دون غيره، لقوله سبحانه: {وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [96] . فهو عز وجل يرسل أسباب النهايات عندما يحين الأجل المحتوم الذي لا رجعة فيه، لقوله جل وعلا: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا} [97] . وقوله سبحانه: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا} [98] .
المبحث الثالث
مقدمات الموت وشدته
15 -المقصود بمقدمات الموت هي سكراته وشدة الألم الناتج منها - والسكرات جمع سكرة، وهي مأخوذة من السكر، والسكر حالة تعرض بين المرء وعقله. والسكرة تطلق على الغشى الناشئ عن الألم، وهي أكثر شيء في الموت إفزاعًا وتفزيعًا، وألمًا وإيلامًا [99] ، وقد وصف الله سبحانه وتعالى سكرات الموت وشدته في أكثر من آية: فأسماها سكرة في قوله عز وجل: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [100] . كما أسماها بالغمرات في قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمْ} [101] . كما شبه القرآن الكريم الخائف خوفًا شديدًا بمن هو في سكرة الموت، ومنه قوله جل وعلا: {فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} [102] . وذلك لذهاب عقولهم من شدة الخوف والفزع حتى لا يصح منهم النظر إلى جهة محددة [103] . وفي هذا المعنى، جاء قوله تعالى: {فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} [104] ، أي كمن يشخص بصره عند الموت، وذلك لشدة خوفهم وفزعهم [105] .