فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 224

16 -إن شدة الألم في سكرات الموت لا يعرفها في الحقيقة إلا من ذاقها فعلًا، ومن لم يذقها فإنما لا يعرفها إلا بالقياس إلى الآلام التي أدركها، وإما بالاستدلال بالمشاهدة أو بالسماع بأحوال الناس في النزع على شدة ما هم فيه.

وذكر العلماء والشراح بأن سكرة الموت (( التي وردت في الآية 19 من سورة ق ) )، وهي قوله تبارك وتعالى: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} تعني غمرة الموت وشدته التي تغشى الإنسان وتغلب على عقله بالأمر الحق من أهوال الآخرة حتى يراها المنكر لها عيانًا ذلك ما كنت منه تحيد أي ذلك ما كنت تفر منه وتميل عنه وتهرب منه وتفزع [106] . والمقصود هنا، هي ساعة الاحتضار والمعاناة لنزع الروح من البدن [107] ، وهي لحظة رهيبة وعصيبة، حتى إنه لم يبق جزء من أجزاء الروح المنتشرة في أعماق البدن إلا وقد حل به الألم. وفي هذا جاء قوله تعالى: {فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ} [108] . وقوله سبحانه: {كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ} [109] . وقوله عز وجل في ساعة الغرغرة حيث لا تقبل التوبة: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ} [110] . وفي هذا قال عليه الصلاة والسلام: (( تقبل توبة العبد مالم يغرغر ) ) [111] .

قال الزمخشري في تفسيره لقوله جل وعلا: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} [112] . أي قبضت روحه، والتوفي استيفاء النفس وهي الروح، وهو أن يقبضها كلها لا يترك منها شيئًا، من قولك توفيت حقي من فلان أي استوفيته وافيًا كاملًا من غير نقصان [113] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت