107 -والراي الراجح في الفقه المعاصر هو جواز شق بطن الميت لإخراج مال ثمين ابتلعه قبل وفاته، إذا كان هذا المال لشخص يطالب بحقه، وليس من الورثة أحد يلتزم بدفع قيمة المال أو مثله، على أساس مصلحة عدم إضاعة المال والحفاظ على حقوق الغير التي هي شرعًا أعظم من مفسدة هتك حرمة الميت [671] . فإذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما، كضياع مال أحد المسلمين هي مفسدة أعظم من مفسدة هتك حرمة الميت [672] . وخاصة مع تطور الوسائل الطبية الحديثة التي يمكن بواسطتها شق بطن الميت دون مثلة أو إهانة [673] . غير أنه إذا كان لابد من شق بطن الميت لهذا الغرض. فإنه يستوجب عدم إهانة الجثة وعدم التعريض بها. والتعامل معها بأدب واحترام [674] . لقوله عليه الصلاة والسلام: (( كسر عظم الميت ككسره حيًا ) ) [675] . وفي رواية أخرى: إن كسر عظم المؤمن ميتًا، مثل كسره حيًا [676] . وهو يدل دلالة واضحة على خطر المساس بالجثة وتحريم إهانتها، فلا يتعدى عليها بشق أو كسر لغير مصلحة راجحة أو حاجة ماسة [677] . وقال المفسرون والشراح بأن المقصود من قوله عليه السلام: ككسره حيًا يعني في الإثم. كما جاء في رواية ابن ماجة عن أم سلمة رضي الله عنها، إشارة إلى أن للميت حرمة كحرمة الحي تمامًا وأن كسر عظامه في حال موته يحرم كما يحرم كسرها حال حياته [678] .
إن الميت يتألم بما يتألم به الحي، لقوله عليه الصلاة والسلام: أذى المؤمن في موته كأذاه في حياته [679] . ولهذا فإنه يحرم شق بطن الميت أو قطع شيء من أطرافه لغير مصلحة راجحة يقرها الشرع، وضرورة الموازنة بين الحقوق الشرعية وتحمل الضرر الأخف لجلب مصلحة يكون تفويتها أشد من هذا الضرر وأن تعامل الجثة باحترام مصداقًا لتكريم الشرع للإنسان حيًا أو ميتًا في قوله عز وجل: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [680] .
المبحث السادس
حكم إخراج الجثة من ماء عميق أو غار أو كهف