88 -إن مصالح التشريح تعود على الأحياء بحفظ أنفسهم وأموالهم، ومصالح الأحياء مقدمة شرعًا على حرمة الموتى لأنها أعم وأشمل منها. كما أن التشريح مشروع بالأدلة التي شرعت ضرورة العلاج وطلب الدواء، امتثالًا لأمر الله عز وجل الذي وضع لكل داء دواء. فالتشريح واجب بالأدلة التي أوجبت تعلم الطب وعلومه ومباشرته بالعمل التطبيقي، لتقوم طائفة من الأمة به [558] . والشارع إذا أوجب أمرًا نص على إيجاب ما يتوقف عليه ذلك الأمر، فإذا أوجب الصلاة وجب الوضوء، وإذا أوجب على البعض تعلم الطب وجب علم التشريح ومزاولته علمًا وعملًا [559] .
ولا يكفي هاهنا، تشريح الحيوان لتعلم الطب الإنساني، وذلك لأن الاعتماد على الحيوانات الثديية لا يعطي فكرة صادقة عن تفاصيل جسم الإنسان، وقد يزرع في ذهن الأطباء عامة صورة غير صادقة عن تركيب الجسم البشري تكون سببًا في ارتكاب الأطباء للأخطاء الفنية [560] . ولولا التشريح الطبي لجثث الموتى، لمعرفة الأمراض والعلل وتشخيصها، لما تقدم الطب ولما أمكن إنقاذ آلاف أو مئات الآلاف من المرضى [561] . إذ إنه بدون التشريح قد يقدم الطبيب وخاصة الجراح على عمل فيه تهلكة للمريض، وقد استدل الطبيب والجراح المسلم الزهراوي (وهو مؤسس علم الجراحة) [562] . على وجوب التشريح، بمثال الجراح الجاهل بالتشريح الذي قام بإزالة ورم من عنق امرأة فأصاب خطأ شرايينها فماتت [563] .