إن أخذ عضو من جثة الميت لا يتنافى مع ما هو مقرر لحرمة جثته، فإن أجزاء الآدمي طاهرة ولو كان ميتًا خلافًا لبقية الميتات [812] . لقوله عليه الصلاة والسلام: (( لا تنجسوا أمواتكم فإن المؤمن لا ينجس حيًّا أو ميتًا ) ) [813] . كما أن حرمة الجثة مصونة غير منتهكة، والعملية الجراحية تجرى للميت كما تجرى للحي، بكل عناية واحترام دون عبث أو مساس بحرمة الجثة.
فانتفاع المجتمع بجزء من الميت أولى من ترك هذا الجزء يبلى في التراب، لقوله صلى الله عليه وسلم: (( الناس بنو آدم، وآدم خلق من تراب ) ) [814] . فأخذ الجزء من الميت لينتفع به الحي أيسر عملًا، وأهم شأنًا من التضحية بالنفس في باب المنفعة العامة [815] . وهو ما ارتكزت عليه هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، في قرارها التاريخي المشهور رقم 62 المؤرخ في 25/10/1398هـ، والمتعلق بجواز نقل قرنية عين الميت، بعد التأكد من موته، وزرعها في عين إنسان مضطر إليها، ما لم يمنع أولياؤه ذلك، بناء على قاعدة تحقيق أعلى المصلحتين، وارتكاب أخف الضررين، وإيثار مصلحة الحي على مصلحة الميت، فإنه يرجى للحي الإبصار بعد عدمه، والانتفاع بذلك في نفسه ونفع الأمة به، ولا يفوت على الميت الذي أخذت قرنية عينه شيء، فإن عينه إلى الدمار والتحول إلى رفات، وليس في أخذ قرنية عينه مثلة ظاهرة [816] .