ومتى كان هذا في نطاق الضرورة أو الحاجة التي تنزل منزل الضرورة. فإن مصلحة المحافظة على الحي الذي هو ما يزال في مجال الانتفاع به في المجتمع ونفع الأمة به، هي أعظم من المفسدة المترتبة على المساس بحرمة الجثة، وترك الجزء المنتفع به يبلى في التراب ويتحول إلى رفات [796] . فإذا تعين استقطاع جزء من الجثة علاجًا وحيدًا للمريض المحتاج لإنقاذه من الموت المحقق، جاز هذا العمل متى تقيد بالضوابط الشرعية والشروط اللازمة حتى تصبح المنفعة الناجمة مؤكدة وحقيقية، والمصلحة المترتبة على ذلك مصلحة إنسانية واجتماعية جديرة بالاهتمام والرعاية الشرعية [797] .
130 -والحقيقة أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( كسر عظم الميت ككسره حيًا ) ) [798] . يرمي منه عليه الصلاة والسلام إلى النهي عن إيذاء الميت لمجرد الإيذاء والتعدي، أو بدافع الحقد والكراهية، أو استخفافًا به لكونه لم يعد يشعر ولا يتألم [799] . فأراد عليه الصلاة والسلام أن يبين لنا أن حرمة الميت كحرمة الحي تمامًا، وأن إيذاءه هو إثم يستوجب العقاب شرعًا [800] . أما إذا كان الكسر فيه مصلحة راجحة. فلا مانع في ذلك شرعًا، حتى لو كان عظم حي. فهذا عروة بن الزبير رضي الله عنهما، أحد فقهاء المدينة المنورة السبعة أصيب بأكلة في رجله، وقرر الأطباء بترها، فوافق على ذلك، ولم يقل لهم إن كسر العظم لا يجوز [801] .
وعلى هذا الأساس، فإن العمليات الجراحية بما فيها شق أو كسر أو بتر ونشر واستئصال واستقطاع وتشريح الجثث مباحة شرعًا، وإن كان فيها هتك لحرمة الميت، إذا كان فيها مصلحة راجحة كإنقاذ حياة انسان مشرف على الهلاك. لقوله سبحانه: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [802] . وقوله عليه الصلاة والسلام: (( من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه ) ) [803] .