128 -ذكر بعض العلماء من الشافعية والحنابلة والمالكية، أنه يجوز للمضطر أن يأكل لحم الآدمي الميت، بمقدار ما يسد رمقه، إذا لم يجد غيره، وخاف على نفسه الهلاك إن لم يأكل [788] . وذلك لأن العلة في تحريمه لشرفه، لا تمنع شرعًا من سريان حكم الضرورة، لأن الضرورات تبيح المحظورات [789] .
ويجيز الشافعية للمضطر بأجزاء الآدمي أن يستعمل جسم إنسان مهدور الدم كالحربي والزاني المحصن، أما بالنسبة للمعصوم، فإن كان ميتًا فيجوز للمضطر أن ينتفع بجثته كغذاء إن لم يجد غيره، وذلك لأن حرمة الحي أعظم من حرمة الميت، ولأن المفسدة في أكل ميتة الآدمي أقل من المفسدة في فوات حياة إنسان [790] . وعلى هذا، أجاز متأخرو الشافعية استخدام عظام الموتى، في جبر عظم الحي المنكسر إذا لم يكن جبره بغيره، على أساس أن الحديث النبوي الشريف الذي يفيد تحريم كسر عظم الميت يتعلق بغير حالات الاضطرار [791] .
وقال العز بن عبدالسلام بصحة أكله منه، وهو الأصح عند الشافعية، إلا أن يكون الميت نبيًا فلا يجوز الأكل منه جزمًا لشرفه على غيره بالنبوة، ولا يجوز للمضطر الكافر الأكل من ميتة المسلم لشرفه عليه بالإسلام، واختار هذا المذهب أبو الخطاب الحنبلي، وقال العلامة ابن قدامة أنه أولى [792] .
129 -وقد أجمع الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية [793] . على إباحة المحرمات عند الاضطرار إلى أكلها بقدر سد الرمق، وإن اختلفوا بعد ذلك في حكم التداوي بالمحرمات [794] . فإنه ليس هناك نص خاص يمنع شرعًا التداوي بأجزاء الميت عند الضرورة، أو نص يقرر أن الموتى لا تتغير أحكامهم الشرعية حتى في حالات الاضطرار. وهذا هو حكم الضرورة التي تبيح المحظورات شرعًا، وهو حكم عام ومطلق، لا يجوز تخصيصه أو تقييده بدون نص شرعي مخصص أو مقيد [795] .