بينهم جميعا.
وقد ذكر المصنف وتبعه الشارح من اللفظ المشترك (القسورة) و (عسعس) , فإن قسورة في قوله تعالى: {فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} [المدثر/51] , يجوز أن يكون الرامي وهو الصائد, ويجوز أن يكون الأسد, فهو لفظٌ واحدٌ تعدد معناه, و"عسعس"في قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} [التكوير/17] , لفظٌ يحتمل أن يكون معناه إذا أدبر أو إذا أَقبل, لأن هذين المعنيين مستكنان في هذا اللفظ في لسان العرب.
وقاعدة اللفظ المشترك على الراجح: أن ما صحّ معنىً له دون تعارض جاز تفسيرُه بجمع المعاني. فإذا كان الفظ يحتمل معنى, ومعنى آخر, ومعنى ثالث, ولا يقع تناقض بإثبات هذه المعاني جميعًا, حمل اللفظ على هذه المعاني وفسر بها, كقسورة مثلًا, فإنه يصح أن يفسر بالرامي ويصح أن يفسر بالأسد, ويكون اللفظ محتملًا للمعاني جميعًا, لأنها يقطع التطابق بينها في الدلالة على المعنى دون تناقض, فالأسد قسورة, والرامي قسورة, والحمر تفر من الرامي الصائد كما تفر من الأسد, لكن إذا وُجد في دلالة السياق ما يترحج به قول على آخر, كان المقدم ملاحظة أثر السياق, فإن السياق له أثرٌ في تفسير المجملات وحلِّ المشكلات وبيان المعاني الخفيات, كما ذكره أبو محمد ابن عبدالسلام رحمه الله تعالى, ومن هذا الجنس قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر/4] , فإن الثياب لفظٌ مشترك يقع أسمًا على الملبوسات, ويقع أسمًا على الأعمال المُلابسات, فالملبوس هو ما يتسترُ به الإنسان ويتغطى, والمُلابس من العمل هو ما يقع من الإنسان من أعماله, وإذا لوحظ السياق الذي سيق في صدر سورة المدثر كان الآئق أن يقال: إن الثياب هاهنا هي الأعمال, لأنها هي المعظمة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم, إذ لا ينبغي أن يقال له: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [المدثر/3] يعني بتوحيده وتعظيمه, ثم يكون {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر/4] متعلقًا بالملبوس, وإنما متعلقًا بالعمل المُلابِس أي طهر