فلهذين السببين كان الخلاف بين الصحابة- رضوان الله عليهم- في تفسير كلام الله أقل.
ثم جاء التابعون من بعدهم فحصل نقص لا في السبب الأول ولا في السبب الثاني، بل إن التابعين كثرت الفتوح في زمنهم، واختلط العربي بالعجمي وتغيرت الألسن، وقد ذكر أن أول تأليف للنحو كان في عهد على بن أبي طالب -رضي الله عنه-.
وقد كثرت الأهواء والفتن وانتصار الإنسان لرأيه, حتى أدى ذلك إلي التطاحن والتقاتل بين المسلمين، وعلى هذا فيكون الخلاف بينهم في تفسير كلام الله أكثر من الخلاف بين الصحابة، ثم كلما بَعُدَ العهد عن عصر النبوة؛ صار البلاء أشد، والتباس بالباطل الحق أعظم، وكما نجد الآن في زماننا هذا, كل عمود في مسجد تحته عالم يرى نفسه أنه ابن تيمية، وكل خيمة في مني فيها عالم يرى نفسه أنه أحمد بن جنبل أو الشافعي.
ولهذا كثرت الأهواء حتى إنك لتجد في المسألة التي ليس فيها فيما سبق إلا قول واحد أو قولان، تجد فيها عدة أقوال؛ لأن العلم قليل والهوى كثير، فترتب على نقص العلم وكثرة الهوى الضياع والخلاف والشقاق وعدم الائتلاف.
ومن التابعين من تلقى جميع التفسير عن الصحابة, كما قال مجاهد: عرضتُ المصحفَ على ابن عباس, أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها؛ ولهذا قال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. ولهذا يعتمد على تفسيره الشافعي والبخاري وغيرهما من أهل العلم، وكذلك الإمام أحمد وغيره ممن صنف في التفسير، يكرر الطرق عن مجاهدٍ أكثر من غيره.