القرآن غير مخلوق ولأن الله قال: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} , فجعل الأمر قسيما للخلق, والقرآن من الأمر لا من الخلق. كما قال تعالى: {رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} فحينئذٍ يكون القرآن غير مخلوق, وقد ذكر هذا المعنى سفيان بن عيينة ثم الإمام أحمد في آخرين, استدلوا بهذه الآية بأن القرآن خير مخلوق.
ثم ذكر رحمه الله تعالى قوله: {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} , وبينه بقوله: بأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يدري ما الكتاب ولا الإيمان قبل أن يوحى إليه. وهذه الآية تفسيرٌ لقوله تعالى في سورة الضحى: {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} [الضحى/7] , فإن معنى {ضَالًّا} أي غافلًا عما يراد بك. كما قال تعالى: {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} .
ثم ذكر بعد ذلك أن معنى قوله تعالى: {وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ} [الشورى/52] , يعني صيرنا هذا الروح الذي أوحينا إليك نورًا نهدي به من نشاء من عبادنا. وهذا كقوله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} [الأنعام/122] الآية في سورة الأنعام, فإن المراد بهذه الإحياء والهداية هي ما يكون بنورِ القرآن الكريم.
ثم بين رحمه الله تعالى الفرق بين قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} , وقوله تعالى: {نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ} , وأنّ قوله تعالى: {نَهْدِي بِهِ} , يجمع الهدايتين: هداية التوفيق والإلهام, وهداية الدلالة والإرشاد, ولهذا عدّيت بنفسها, وأما قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ} , فهي هداية دلالة. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بيده هداية التوفيق والإلهام كما قال تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص/56] , ولذلك إذا توهم أن قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} ,