مُسْتَقِيمٍ [المائدة/16] , وكأن المعنى -والله اعلم-: أن فعل الهداية إذا عدي (بنفسه) أريد به الهداية الإجمالية, واذا عدي (بإلى) أريد به الهداية التفصيلية؛ فإن قول الله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة/6] , يعني اهدنا الإسلام, على وجه الإجمال؛ وعند الإخبار عن هذه الهداية معداة بألى {وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} , يعني تفاصيل ذلك الطريق من الشرائع والإعمال.
ثم ذكر رحمه الله تعالى تفسير الآية الثالثة من سورة إبراهيم, وكان مما قاله الشارح رحمه الله تعالى: أن معنى قوله تعالى: {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} , قيد حسن حتى لا يُظنَّ أن السبب مستقل. فلا يحصل هذا الإخراج من الظلمات إلى النور إلى بإذن الله وتقديره, فمرد الأمر إلى قضائه, فلا يكون السبب مستقلا, وإضافة الشيء إلى سبب معلوم جائز, ولا أحد ينكره, فقد جاءت في السنة وجاء به القرآن, إذا كان السبب معلوما بالشرع أو بالحس أو بالواقع. كقوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح في شفاعته لأبي طالب: (( لو لا أنا لكان في ضحضاحٍ من النار ) ), فذكر السبب وهو صلى الله عليه وسلم ولم يذكر المسبب, فإذا كان السبب معومًا واندفع توهم التعلق به, جاز إضافة الفعل إليه, فلابد من هذين الشرطين:
أحدهما: أن يكون السبب معلومًا إما بالشرع وإما بالحس والواقع.
والثاني: أن يندفع توهم استقلال السبب بالتأثير.
فإذا قال القائل: لو لا أنا لكان كذا وكذا. وخُشي توهم تعلقِ الخلق بالسبب دون المسبب منع حينئذٍ من مثل هذا التعبير.
ثم بين رحمه الله تعالى أن: {الْحَمِيدُ} , يجوز أن يكون بمعنى فاعل أو المفعول, فهو على زنة فعيل التي تأتي تارةً يراد بها اسم الفاعل, وتأتي تارة ويراد اسم المفعول, فإذا كان على الأول فهو محمود سبحانه وتعالى على أسمائه وأفعاله وصفاته, وإذا كان الثاني فهو سبحانه وتعالى حامدٌ لخلقه للمستحقين للحمد