فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 215

السبل, وتارة افردت, في قوله: {فتفرق عن سبيله} , وجمع بينهما بأن الإفراد باعتبار الطريق المسلوك وهو الشرع, والجمع باعتبار أفراده وهي الشرائع, فلا يكون حينئذٍ بينهما تعارض متوهم, وقد ذكر هذا المعنى ابن القيم رحمه الله تعالى في (( مدارج السالكين ) )؛ فالسبل اسم لشرائع, والسبيل اسم لشرع, ومن الأول حديث عبدالله بن بسر عند الترمذي وابن ماجه وغيرهما: (( إن شرائع الإسلام قد كثرت علي ) ). يعني شعبه وأعماله.

ثم ذكر رحمه الله تعالى أن إخراج القرآن الكريم للخلق من الظلمات إلى النور المراد به الظُلامات المعنوية؛ لأن القرآن هدايته معنوية. فيخرجهم من الظلمات المعنوية إلى النور, وذكر رحمه الله تعالى أن هذه الظلمات هي ظلمات الجهل, وظلمات قصد. وأولى من هذا يقال إن الظلمات نوعان:

الأول: ظلماتٌ تتعلق بجهلِ العلم.

الثاني: ظلماتٌ تتعلق بجهلِ العمل.

والفرق بينهما: أن جهل العلم يراد به عدم معرفةِ الحُكم, وأما جهل العمل فيراد به عدم العمل بالحكم. هذا وهذا يُسميان جهلا, قد ذكر هذا ابن القيم رحمه الله تعالى في (( إغاثة اللهفان ) ). فيكون القرآن نورًا يخرج من هذه الظلمات جميعا.

ثم ذكر رحمه الله تعالى أن الله عز وجل قال: {وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} , بعد قوله: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ} , فكأن هذا إعادةٌ مرة أخرى من باب عطف الصفة, وأن الهداية أعيدت مرة أخرى, ويمكن أن يكون باختلاف معنى الهداية, ففي أول الآية يراد بها هداية التوفيق والإلهام, وفي الثانية يكون المراد بها هداية الدلالة والإرشاد, قال: ولهذا عدّيت الثانية بإلى, وعدّيت الأولى بنفسها. وهذا واقعٌ في فعل الهداية, فإنه تارة في القرآن يعدى (بنفسه) كقوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة/6] . وتارة يعدى (بإلى) كقوله تعالى: وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت