العمي في نفاقهم كمثل الذي استوقد نارا لينتفع بها في ليله الحالك فلما أضاءت النار ما حوله فرأى الضياء والسناء، سرعان ما أطفأها مطر شديد ذو ريح عاصف أخمد أوارها، وبدد لهيبها، فتحير وتخبط في الظلمات لا يدري ما يتجنبه ولا ما يتقيه.
{أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ. يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [1] .
وهذا صنف آخر من المنافقين كان فيهم بقية من رجاء ورمق من حياة أصاخوا بحواسهم ومشاعرهم إلى صوت الإيمان الحق، فاستجابوا له وآمنوا به .. ثم ساروا في طريق اللّه، يقتبسون أحيانا من نور التعاليم الإلهية، وتضيء سبيلهم معالم الشريعة ونور الحقيقة، ويسيرون خطوات ثم تتهاوى أقدامهم وتتعثر خطاهم، وتغشى بصائرهم، وتزيغ أبصارهم وينتكسون عندما يحكمون عقولهم، وتطغى عليهم تقاليد موروثة، وتعتلج في نفوسهم رواسب عفنة، فتهيج وتحيد بهم عن الجادة، وتنحرف بهم عن الصراط المستقيم.
يمثل القرآن حالة هذا الصنف الذي آمن ثم نكص، والذي انتفع آونة بإسلامه ثم آض إلى ما كان عليه بحال قوم كانوا يسيرون في مهمة متسع، وفي فلاة فسيحة، يلفهم فيها ظلام الليل الحالك، فوقفوا حيث يلتمسون النجاة ولا سبيل إليها .. ثم نزل بهم مطر غزير فيه رعد وبرق وصواعق،
(1) سورة البقرة 20 - 21.