ومشاربهم فها هو ذا- في أول سوره الطوال سورة البقرة- يحلل اتجاهاتهم، ويرسم بأسلوبه المشرق الأخاذ صورة تنبض بما يجيش في أعماقهم، وتومي إلى ما حاولوا الحفاظ عليه، وتفضح ما خفي من نقائصهم ونقائضهم.
{وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ. اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ. أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ. مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ. صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ} . [1]
هذا لون من المنافقين آتاهم اللّه دينا فيه هداية، وشريعة فيها صلاح وفلاح، فآمنوا إيمان ظاهريا، وعطلوا عقولهم، وألغوا تفكيرهم، ولم ينتفعوا بما جاءهم، ولم يقتفوا نهج من سلفهم، وكانوا أمة وحدهم، فابتكروا لأنفسهم منازع واتجاهات انحرفت بهم عن السنن الظاهر والحجة الواضحة، ولم يكتشفوا أنفسهم والهدي القائم بينهم والخير السائد فيهم، والنور الغامر لمن حولهم من المؤمنين الخالصين، فعموا عن ذلك كله وصموا، وضربوا صفحات عن هدي اللّه، وجعلوا بينهم وبين النور حجابا منيعا وسدا صلبا، فعاشوا بمعزل عن الحق وبمنأى عن الضياء، يهيمون في ديجور من الضلال وفي صلبا، فعاشوا بمعزل عن الحق وبمنأى عن الضياء، يهيمون في ديجور من الضلال وفي متاهة الباطل، لم ينعموا بما نعم له مخلصو المؤمنين من خير ونور وهدى .. مثل هؤلاء الصم البكم
(1) سورة البقرة: من 15 - 19.