ويقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء [1] وفي الوقت نفسه يُثبت له المثَل، ويقول: لِلَّذينَ لا يُؤمِنُونَ بِالآخرةِ مَثَلُ السَّوءِ وَللهِ المَثَلُ الاََعْلى وَهُوَ الْعَزيزُ الحَكِيم [2] والجواب: أنّه لا منافاة بين نفي المِثْل لله واثبات المَثَل له؛ أمّا الاَوّل، فهو عبارة عن وجود فرد لواجب الوجود يشاركه في الماهية، ويخالفه في الخصوصيات، فهذا أمر محال ثبت امتناعه في محلّه، وأمّا المَثَلُ فهو نُعوت محمودة يُعرف بها الله سبحانه كأسمائه الحسنى وصفاته العليا، وعلى هذا، المَثَلُ في هذه الآية وما يشابهها بمعنى ما يوصف به الشيء ويعبَّر به عنه، من صفات وحالات وخصوصيات. فهذه الآية تصرّح بأنّ عدم الاِيمان بالآخرة مبدأ لكثير من الصفات القبيحة، ومصدر كل شر، وفي المقابل أنّ الاِيمان بالآخرة هو منشأ كل حسنة ومنبع كلّ خير وبركة، فكلّ وصف سوء وقبيح يلزم الاِنسان ويلحقه، فإنّما يأتيه من قبل عدم الاِيمان بالآخرة، كما أنّ كلّ وصف حسن يلزم الاِنسان ينشأ من الاِيمان بها، وبذلك ظهر معنى قوله: (لِلَّذينَ لا يُوَمِنُونَ بِالآخِرَة مَثَل السَّوء) (1) الذي يدلّ بالملازمة للذين يوَمنون بالآخرة لهم مثل الحسن.
يظهر الفرق بين المثل والحكمة في ثلاثة أمور:
أولًا: أن الحكمة عامة في الأقوال والأفعال والمثل خاص بالأقوال
ثانيًا: أن المثل وقع فيه التشبيه والحكمة قد يقع فيها التشبيه وقد لا يقع فإذا وقع فيها التشبيه اجتمعت مع المثل وإلا اختلفت عنه.
ثالثًا: أن المقصود من المثل الاحتجاج ومن الحكمة التنبيه والإعلام والوعظ ولا يبعد أن يقال بعد ذلك إن المثل هو من الحكمة فهي تعمه وتعم
(1) - الشورى:11
(2) - النحل: 60.