مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال [1] ، فقوله تعالى: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ... إلى قوله زَبَدٌ مِثْلُهُ} ظاهر في معنى تقرير حجة على كمال قدرته تعالى، وبعد أن أقام به حجة على المشركين جعل هذا القول نفسه مثلًا يستبين به الحق والباطل، فقال تعالى: {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ} ، وهذا من الإيجاز الذي بلغ به القرآن أعلى طبقات البلاغة.
إذا ضرب الله مثلًا، فهل يجوز أن يراد من ذلك المثل المعني الذي سيق من أجله؛ نحو التقرير أو التحسين، أو التقبيح، ولا يلزم أن تكون صورة الممثل به واقعة في نفس الأمر؟!
ذهب فريق إلى جواز ذلك، فتَرَوْنَ الزمخشري وهو ينكر أن يصرع الشيطان الإنسان، يقول في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} [2] "تخبط الشيطان من زعمات العرب، يزعمون أنَّ الشيطان يخبط الإنسان فيصرعه، فورد على ما كانوا يعتقدون"، أو يقال إن الله لا يضرب المثل إلا بما يقع، حتى إذا ضرب المثل بشيء أمكننا الاستدلال بالتمثيل على وقوع ذلك الشيء، وهذا ما يقوله جمهور أهل السنة، ونحن نستبعد أن يُمثِّل الله تعالى بأمر يزعمه الناس زعمًا باطلًا، فإن التمثيل به دون تنبيه على بطلانه لا يلائم ما عرف في هداية القرآن، ومن هنا قرر المحققون من الأصوليين قاعدة، هي أن ما يقصه القرآن من قول يتضمَّن رأيًا ولا يقرنه بتنبيه على بطلانه، أو يكون قد نبه عليه من قبل، فإنه يعد حقًّا لا محالة.
(1) الرعد: 16 - 17.
(2) البقرة: 275.