فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 192

إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا [1] فقد مثلت الآية حال العالم المنحطِّ في أهوائه بحال الكلب، الذي هو أخبث الحيوان وأخسها نفسًا، ذلك أن المنحط في أهوائه شديد اللهف على الدنيا، قليل الصبر عنها، فلهفه نظير لهف الكلب الدائم في حال إزعاجه وتركه.

ويضرب المثل في مقام الاحتجاج، حيث يلزم من تسليم الممثل به، وإدراك أن الممثل مطابق له - الرجوع إلى الاعتقاد بالحق، كما ضرب الله مثلًا للدلالة على أنه الإله الحق، وأن الأوثان لا تستحق أن تعبد، فقال تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ} [2]

إذ دلَّ بالمثل على عجز الأصنام عن أن تنفع عابدها بشيء؛ إذ مثَّل حالَها بِحال العبد المملوك الذي لا يقدِرُ على شيء، ودلَّ على كمال قُدرتِه؛ إذ جعل في مقابلة العبد المملوك الممثل للأصنام مَن اتسع رزقه وكان ينفق منه كيف يشاء، ومن له مسكة من العقل لا يتولى العاجز بالعبادة، ويدع عبادة القادر على كل شيء.

ومن بديع أسلوب القرآن في ضرب المثل أن يسوق الجمل، مستعملًا لها في معانيها الحقيقية، قاصدًا بها غرضًا خاصًّا؛ كالاحتجاج على بعض العقائد، وبعد أن يفيد بها هذا الغرض يعود إلى جعلها مثلًا يرمي إلى غرض من الأغراض التي تضرب لها الأمثال، فانظروا إن شئتم إلى قوله تعالى: وَهُوَ الوَاحِدُ الْقَهَّارُ * أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ

(1) الأعراف: 175 - 176.

(2) النحل: 75.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت