فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 192

فالقرآن لا يمثل بشيء يزعمه العرب زعمًا باطلًا، ولكنه قد يمثل بشيء لا يدخل في قبيل المزاعم الباطلة، وإنما هو شيء يصفه بصفات مفهومة الحقائق، ممكنة الوقوع، وإن لم تقع عليها أعين الناس مجتمعة، فالله تعالى يقول: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ} [1] فقد ذكر طائفة من الباحثين أن هذا من قبيل التمثيل بموجود، وأنَّ البرة"الحبة من البر"قد تبلغ في الأرض القوية المغلة أن تنبت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، وعلى فرض أن لا يرى الناس حبة بلغت في الإنبات هذا المبلغ، لم يكن في تمثيل القرآن بها من بأس.

وقد يضرب القرآن المثل بأمر موجود على حال حسن أو قبح، والناس يعتقدونه على ما هو عليه من حسن أو قبح، وإن لم يروه بأبصارهم، ولكنه يحضر في أذهانهم بصورة جميلة أو صورة قبيحة، فيكون التمثيل به تمثيلًا بأمر موجود، وصورته الحاضرة في الأذهان مطابقة للواقع من حيث حسنها أو قبحها، ومثال هذا قوله: {إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ} [2] فالشيطان شخص حي، ولكن المخاطبين لم يروه بأبصارهم، وجاء التمثيل في هذه الآية على ما اعتقدوه اعتقادًا مطابقًا من قبح صورته، وعلى هذا النحو يجري التمثل بالملك في قوله تعالى: {مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} [3] فإن التمثيل جارٍ على ما تصوروه من حسنه، وهذا التصور صادق لا محالة.

وإن تعجب فاقض العجب مِمَّن يعمد إلى قصة في القرآن، قصها الله تعالى لما فيها من عبرة وحكمة، ويجرؤ على أن يقول:"إن هذه القصة وردت على طريقة التمثيل"، يقول هذا وليس بيده شاهد من الآية نفسها، ولا دليل

(1) القرة: 261.

(2) الصافات: 64 - 65.

(3) يوسف: 31

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت