فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 192

تتميز الأمثال القرآنية بميزة صدق المماثلة بين المثل والممثل له، وهي خاصية ذات فائدة جمة في الإقناع، من حيث أنها بذلك تقدم دليلًا دقيقا للمتلقي يسهل عليه الفهم وإدراك الأمور كما هي، دون تشتيت أو تقديم أشياء غير دقيقة تودي به إلى الضبابية والعموميات، التي لا تحقق الغرض، مما يعين على التأثير وتحقيق الهدف والغرض الذي من أجله تم ضربها.

فمثلا الآية 18 من سورة إبراهيم تصور أعمال الكافرين التي لا تفيد أصحابها في الآخرة وتكون بلا وزن ولا قيمة بذرات رماد متطايرة في مكان اشتدت فيه عاصفة فتصبح في مهب الريح بلا أثر كما في قوله تعالى (مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد) [1]

وأقرأ إن شئت قوله (واتل عليهم نبأ الذي أتيناه آياتنا، فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض، واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون) [2] ، ويكشف هذا المثل الأبعاد النفسية، التي اشتملت عليها شخصية الذي يتخلى تماما عن آيات الله البينات ويعرض عنها، ابتغاء عرض زائل ومتاع قليل، وقد استعار كلمة"انسلخ"وعبر بها تعبيرا دقيقا عن مدى التصميم في الإعراض والتخلي، وصور بذلك حالة النزاع الشديد في مفارقتها، فهذا التجرد من عناصر الحيز يوحي بكيفية تجرد الشاة من إهابها ونزعها لردائها أثناء السلخ، في مشهد أليم حتى عادت إلى حقيقة أخرى في الهيكل

(1) - إبراهيم 18

(2) - الأعراف 175 - 176

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت