الصفحة 416 من 439

فعرفنا المراد بالشروط هنا الأركان، وتوسع بعض أهل العلم في إطلاق الشرط على الركن، وكذلك هذا لا مشاحاة فيه، لأنه لم يَرِد أن هذا ركن، وهذا شرطٌ، وهذا واجب بهذه الأسماء، وإنما العبرة هنا بماذا؟ بالحقائق والمعاني. فحينئذٍ الركن والشرط من حيث توقف الماهية عليهما واحدٌ، فحينئذٍ نقول: لا تقبل العبادة إلا بتحقق شرطها مع القدرة عليه، ولا تقبل العبادة إلا بتحقق ركنها مع القدرة عليه، لكن هنا لا يقال باشتراط القدرة، إنما اشتراط القدرة يكون في ماذا؟ فيه ما يتعلق بالأعمال المتعلقة بالجوارح، وأما هذه الشروط فمنها ما يتعلق بالقلب، ومنها ما يتعلق بالجوارح، فإذا كان كذلك فالأصل اعتبارها من حيث المعنى الذي هو العلم والقبول والانقياد والصدق والإخلاص هذه كلها أعمال قلبية فلا يدخلها الضرورة، لذلك لَمَّا بيَّن الباري جل وعلا بأنه قد يُعذر من وقع في الكفر اضطرارًا قَيَّدَهُ، قال: {وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} [النحل: 106] . دل على أن الكفر إنما يقع في اللسان في الكلمة فقط، وأما في القلب فهذا لا يدخله الضرورة البتة، إذا كان كذلك حينئذٍ نقول: هذه أعمال لا بد من اعتبارها في الدنيا وفي الآخرة، ثم لا تدخلها ما يدخل الشرط أو الركن كما يتعلق بالصلاة ونحوها، نقول: مُقَيَّدٌ بالاستطاعة، وكل واجب الأصل فيه ماذا؟ أنه مقيَّدٌ بالاستطاعة إلا هذه الواجبات التي هي ماذا؟ المتعلِّقة بالقلب، وإنما قول الأصوليين والفقهاء بأن كل واجب إنما هو معلَّق بالقدرة والاستطاعة هذا في أعمال الجوارح، إذ يتعلق بالعمليات لا فيما يتعلق بالعلميات، فلا نقول: التوكل واجب، حينئذٍ إذا اضطر انتفى، وكذلك الخوف من الله واجب، وإذا اضطر حينئذٍ انتفى، نقول: لا، هذه لا يدخلها ضرورة البتة.

وَبِشُرُوطٍ سَبْعَةٍ قَدْ قُيِّدَتْ ... وَفي نُصُوصِ الوَحْيِ حَقًّا وَرَدَتْ

فَإنَّهُ لَمْ يَنتَفِعْ قَائِلُهَا ... بِالنُّطْقِ إلاَّ حَيْثُ يَسْتَكْمِلُهَا

فالنطق المجرد لا عبرة به البتة، ولو قال: لا إله إلا الله. ألف مرة لا تنفعه إلا إذا تحقق بمعناها وتتحقق بركنيها إثباتًا ونفيًا، وتحقق بهذه الأركان المعتبرة، فإن التوحيد ليس هو بلفظٍ فحسب، وكلمة التوحيد ليست بلفظٍ فحسب، وإنما هي حقائق قبل أن تكون ألفاظًا، وهذا لا يمنع أن يكون اللفظ معتبر، ولذلك نص أهل العلم ومر معنا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه باتفاق من قَدِرَ على النطق - انظر النطق هنا عَلَّقَهُ بالقدرة - قد يكون أخرس لا يستطيع أن ينطق لا إله إلا الله حينئذٍ نقول: النطق سقط عنه، الكافر نشأ وهو أخرس أراد الدخول في الإسلام كيف يقول: لا إله إلا الله؟ نقول: سقط عنه. فإذا كان كذلك نقول: هذا الفعل الذي هو القول مما يدخله الاضطرار، حينئذٍ هو واجب لا شك فيه، من قَدِرَ ولم ينطق لا يعتبر إسلامه البتة، ولو قامت هذه الأركان بقلبه على أتم وجه فلا يُعتبر إسلامه حتى ينطق، إذًا اعتبار المعاني أنها شرطٌ في تحقق لا إله إلا الله لا يجعل بأن اللفظ لا منزلة له، لا، بل لا بد من الأمرين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت